طرق البحث في علم النفس التربوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

طرق البحث في علم النفس التربوي

مُساهمة  esambotani في الثلاثاء أغسطس 02, 2011 5:35 am

طرق البحث في علم النفس التربوي

بالرغم من الانتشار الواسع لطرق البحث العلمي ووسائله، إلا أن البحث في العلوم الإنسانية ـ ومنها علم النفس التربوي ـ لم يصب التقدم الذي أصابته العلوم الطبيعية ـ كالفيزياء مثلاً ـ سواء من حيث المفاهيم والمبادئ والتعميمات المستخدمة في تلك العلوم، أو من حيث الطرق والأساليب المتبعة فيها. وهذا ما دعا بعض الباحثين إلى القول بضرورة اللجوء إلى طرق خاصة بالعلوم الإنسانية، تختلف عن طرق العلوم الطبيعية وأساليبها، ولكن إذا أريد لهذه العلوم أن تكون«علماً»، «فلا مندوحة لها من السير في نفس الطريق المنطقي الذي تسير فيه العلوم الطبيعية» (زكي نجيب محمود، 1961، 303).
وقد يعود السبب في تخلف العلوم الإنسانية عن العلوم الطبيعية، إلى الفرق في طبيعة الظواهر التي تتناولها هذه العلوم، فتعقيد الظواهر والمفاهيم والعلاقات التي تنطوي عليها العلوم الإنسانية، يجعل أمر معالجتها أصعب من معالجة ظواهر ا1لعلوم الطبيعية ومفاهيمها. بيد أن تعقيد الظاهرة الإنسانية، لا يعني استحالة بحثها بالضرورة، بل يجعل أمر هذا البحث أكثر صعوبة وتعقيداً.
وإن تنوع الظواهر السيكولوجية، وعدم تجانسها، وتعدد المتغيرات التي تتدخل فيها، تجعل من المتعذر عزل العناصر الأولية التي تشكل الظاهرة السيكولوجية، لبيان أثر هذه العناصر في تكون الظاهرة، كما تجعل من المتعذر إطلاق أحكام عامة بصددها، لذلك تتحدد هذه الأحكام عادة، بمتغيرات معينة، وأفراد معينين، وزمان ومكان معينين، الأمر الذي يحد من القدرة على التعميم.
بيد أن هذه الصعوبات لم تحل دون الوقوف على بعض المفاهيم والمبادئ الأساسية التي يستخدمها علم النفس التربوي في تفسير الظواهر السلوكية الهامة في الوضع التعليمي ـ التعلمي، وذلك بهدف فهمها وضبطها والتنبؤ بها، ويتشابه بذلك علم النفس التربوي مع العلوم الأخرى، من حيث الوظيفة التي يقوم بها كعلم، والتي تؤدي بشكل أو بآخر، إلى مزيد من النمو المهني للمعلم.
المفاهيم في علم النفس التربوي:
تستخدم المفاهيم Concepts في علم النفس التربوي كما في العلوم الأخرى، حيث تشير في سياق هذا العلم إلى سلوك الفرد أثناء قيامه بنشاط تربوي ما، كالتعلم والتفكير والتذكر والإدراك والانتباه، وإلى الشروط البيئية المختلفة ذات العلاقة بهذا السلوك، كالشروط الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
تتصف مفاهيم علم النفس التربوي بالتنوع والتعدد، فبعضها واسع وشامل، كالتعلم والذكاء والدافعية والاتجاه والميل.. الخ الأمر الذي يحول دون تحديدها على نحو دقيق، والبعض الآخر أقل شمولاً وأكثر تحديداً ووضوحاً، كالاستجابة والمثير والمعزز والانتقال...الخ.
وتعتمد مفاهيم علم النفس التربوي في معناها، جزئياً، على التعريفات التي ينسبها الباحثون إليها في محاولة منهم لتحديدها وإيضاحها، بيد أن التعريفات تختلف عموماً باختلاف وجهات نظر الباحثين وطرق تصورهم للمفهوم الذي يحاولون تحديده، وهو أمر يؤدي إلى قصور في عملية الوصول إلى مبادئ واضحة وقوانين أو قواعد ثابتة، كما تعتمد هذه المفاهيم، جزئياً أيضاً، على الطرق والأدوات المستخدمة في قياسها ودراستها، غير أن ذلك لا يعني وجود تطابق بين التعريف وما تقيسه وسائل القياس، وربما كان ذلك هو الدافع إلى إيجاد ما يسمى بالتعريفات الإجرائية. فالعديد من الباحثين والعلماء الذين تناولوا مفهوم الذكاء مثلاً، كببينه وفيكسلر، قد وضعوا تعريفات لتحديد مفهوم الذكاء، وصمموا أدوات لقياسه، إلا أن هذه الأدوات لا تتفق مع تلك التعريفات، وبتعبير آخر، قد تقيس المقاييس شيئاً غير الذي تشير إليه التعريفات، إذ لم يبين الباحثون على نحو دقيق، الطرق التي يمكن من خلالها وضع التعريفات موضع القياس.
إن العديد من مفاهيم علم النفس التربوي ليست إلا افتراضيات اضطر الباحثون إلى وضعها لتفسير ظاهرة سلوكية معينة ترتبط بالعملية التعليمية ـ التعلمية. فمفهوم الدافعية مثلاً، افتراض اضطر الباحثون إلى إيجاده عندما واجهوا مشكلة تفسير الفروق الموجودة بين الأفراد من حيث الأداء في مجال معين، في حال تشابه الشروط أو العوامل الأخرى التي قد تؤثر في هذا الأداء. وبذلك ينسب الباحثون الفروق في الأداء إلى الفروق في الدافعية.
وقد أثار هذا النهج نقاشاً وجدلاً طويلين، لما يترتب عنه من مشكلات على المستويين المنطقي والإجرائي، فعلى المستوى المنطقي، يرتكب الباحثون الذين يعضون مثل هذه الافتراضات خطأً منطقياً يسمى بالدور الدائر أو بالمصادرة على المطلوب، إذ يلاحظ الباحث ظاهرة معينة، فيضع افتراضاً معيناً لفهمها، ثم يقوم بتفسيرها اعتماداً على هذا الافتراض نفسه. وهذا أمر ليس بمستغرب، حتى لدى كبار الفلاسفة والعلماء، فقد «افترض» أرسطو أن الأجسام تسقط باتجاه مركز العالم، واستنتج من هذا الافتراض أن الأرض «مركز العالم» لأن الأجسام تسقط باتجاهها، الأمر الذي أثبتت الحقائق العلمية بطلانه. وارتكب فرويد الخطأ ذاته عند «افترض» وجود «الغرائز» نتيجة ملاحظة لبعض أنماط السلوك المتواترة لدى مرضاه، وفسر فيما بعد هذه الأنماط السلوكية «بالغرائز» ذاتها التي افترضها أصلاً. أما على المستوى الإجرائي، يصعب التحقق من «وجود» المفهوم المفترض والتعرف على «طبيعته» لقصور تقنيات البحث والقياس المتوافرة في الوقت الراهن، وقد تستمر هذه المشكلات في الظهور طالما لم تتوافر التقنيات التي تمكن الباحثين في علم النفس التربوي من تحديد مفاهيم هذا العلم على نحو دقيق.
ويستخدم مصطلح «متغيرات» عادة للإشارة إلى مفاهيم علم النفس التربوي، ويعود السبب في هذا الاستخدام إلى تباين الأفراد من حيث هذه المفاهيم، إذ يختلفون في نسبة الذكاء ومستوى الدافعية والقدرة على التعلم والتذكر.. الخ كما يعود إلى التغيرات التي يمكن أن تطرأ على الفرد ذاته نتيجة النضج والنمو والخبرة واختلاف الشروط البيئية التي يعيش فيها. لهذا «تتغير» المفاهيم نتيجة «تباين» الأفراد «وتغيرهم»، الأمر الذي أدى إلى استخدام «المتغيرات» للدلالة على المفاهيم.
المبادئ في علم النفس التربوي:
لا يتوقف علم النفس التربوي عند بناء المفاهيم وصياغتها فقط، بل يحاول أيضاً وضع المبادئ Principles التي تصف العلاقات القائمة بين المفاهيم أو المتغيرات، بغية الوصول إلى نوع أفضل من التعميم. لهذا تعتبر مبادئ علم النفس التربوي من النوع الوصفي، كالمبدأ القائل «بأن التعزيز يزيد احتمال حدوث الاستجابة المعززة» أو المبدأ القائل «بأن الأفراد ذوي القدرات العقلية المرتفعة، ينزعون إلى الحصول على مستويات تحصيلية مرتفعة».
بيد أن مثل هذه المبادئ لا ترقى إلى مستوى القاعدة أو القانون إلا إذا اشتقت على نحو منهجي ووفق الأساليب العلمية الدقيقة، سواء من حيث عملية جمع المعلومات أو طرق معالجتها، كما يجب أن تتفق مع الحقائق الواقعية والتجريبية، وأن تتصف بقدر كافٍ من الثبات والصدق.
الفهم والتنبؤ والضبط في علم النفس التربوي:
يسعى العلم إلى تحقيق ثلاثة أهداف، هي: الفهم، والتنبؤ، والضبط. وهي أهداف حاول الإنسان تحقيقها منذ بدأ التفكير في الظواهر الطبيعية التي يلاحظها، فقد سعى إلى تفسير هذه الظواهر والتعرف على أسبابها، وحاول التنبؤ بوقوعها مستقبلاً، ورغب في التحكم بها والسيطرة عليها. ويحاول علم النفس التربوي، كغيره من العلوم الأخرى، تحقيق هذه الأهداف من خلال بحثه للظواهر التي تقع في ميدان اهتمامه.
الفهم: Understanding
يشير الفهم إلى عملية شرح أو تفسير العلاقات بين المفاهيم أو المتغيرات ذات العلاقة بالظاهرة موضع الاهتمام، إذ لا يقتصر الباحث على وصف هذه الظاهرة فقط، بل يحاول أيضاً التعرف على أساب حدوثها، وعلى العوامل التي تؤثر فيها، بحيث يتمكن من صياغة مبادئ وتعميمات تفسر العلاقات القائمة بين هذه العوامل، وتبين دور كل منها في نشوء الظاهرة أو تغيرها.
ويتيسر الفهم بالوقوف على العلاقات المنطقية التي تربط بين المتغيرات، حيث تقضي مقدمات معينة إلى نتائج حتمية، فالقول بأن أ > ب وب > جـ يؤدي حتنماً إلى الاستنتاج بأن > أ جـ. فالعلاقة بين المتغيرات أ و ب و جـ هي علاقة منطقية.
ويستطيع الباحث في علم النفس التربوي تفسير بعض الظواهر التعليمية ـ التلعمية، إذا تمكن نم إيجاد مثل هذه العلاقة بين المتغيرات ذات العلاقة بهذه الظواهر. وهذا ما قام به بيدول وكازاردا (1975) عندما وجدا علاقة بين الموارد المالية للمناطق المدرسية (متغير أ) وعدد الطلاب المخصصين لكل معلم (متغير ب) والمستوى التحصيلي لهؤلاء الطلاب (متغير جـ). فقد توقع هذان الباحثان وجود ارتباط بين الموارد المالية للمدرسة والمستوى التحصيلي للطلاب، لأن الموارد المالية تؤثر في قدرة المنطقة التعليمية على توظيف المعلمين، وهو أمر يؤثر في عدد طلاب الصف الواحد، الأمر الذي يؤثر بدوره في فاعلية التعليم وفي المستوى التحصيلي للطلاب. وبذلك تغدو العلاقة بين الموارد المالية ومستوى التحصيل منطقية ومفهومة لاتضاح أثر هذه المتغيرات في بعضها.
التنبؤ: Prediction
إن التنبؤ هو القدرة على معرفة الحوادث أو الظواهر المستقبلية في مجال معين، وذلك بالاستناد إلى معرفة العلاقات الموجودة بين المتغيرات ذات العلاقة بهذا المجال، كالتنبؤ بالمستوى التحصيلي لطلاب السنة الجامعية الأولى، بمعرفة مستوى تحصيلهم في المرحلة الثانوية، أو التنبؤ بقدرة الطلاب على التحصيل من خلال معرفة درجاتهم في اختبارات الاستعدادات المدرسية.
فإذا دلت البحوث على وجود علاقة بين المستوى التحصيلي للطلاب في المدرسة الثانوية (متغير أ) ومستواهم التحصيلي في الدراسة الجامعية (متغير ب)، أمكن التنبؤ بالمتغير ب إذا عرف مستواهم بالنسبة لاختيارات الاستعدادات المدرسية (متغير أ)، وتزداد القيمة التنبؤية لمتغير ما، إذا كانت العلاقة التي تربطه بالمتغير الآخر، علاقة منطقية أو سببية.
وبذلك يتمكن الباحث في علم النفس التربوي من التنبؤ بحدوث بعض الظواهر التعليمية ـ التعلمية، بناء على وجود العلاقات بين متغيرات هذه الظواهر، إذ لا يقتصر على صياغة العلاقات أو التعميمات بين المفاهيم موضع البحث، بل يسعى إلى التنبؤ بالطريقة التي تعمل بها هذه العلاقات في المستقبل.
وقد لا يصل مستوى التنبؤ في علم النفس التربوي، لتقعيد موضوعاته، درجة اليقين التي تصل إليها بعض العلوم الطبيعية، بيد أن ذلك لا يعني عدم قدرة هذا العلم على تحقيق هدف التنبؤ، فالمعلومات والحقائق والمبادئ التي وفرها نتيجة البحوث المتعددة والمتنوعة، تساعد على التنبؤ بالكثير من الظواهر التعليمية ـ التعلمية، كالتنبؤ بقدرة الطلاب على المضي في برنامج دراسي معين، والتنبؤ بقدرتهم على الوصول إلى مستويات تحصيلية معينة، الأمر الذي يوفر الكثير من الجهد والوقت والمال، ويساعد على حل العديد من المشكلات التربوية التي تنطوي عليها الأوضاع التعليمية المختلفة.


الضبط: Control
الضبط هو عملية التحكم في بعض المتغيرات الأساسية التي تسهم في إحداث ظاهرة ما، لبيان أثرها في متغيرات أخرى. ويحاول الباحثون في علم النفس التربوي منذ فترة طويلة، التعرف على المتغيرات التي تؤدي إلى نجاح العملية التعليمية ـ التعلمية على الوجه الأكمل. بيد أن عملية الضبط في هذا العمل، ليست بالأمر السهل، فقد يتمكن الباحث من التنبؤ ببعض الظواهر دون توافر القدرة على ضبطها، فالتنبؤ بالمستوى التحصيلي للطلاب، اعتماداً على معرفة استعداداتهم، لا يعني بالضرورة القدرة على ضبط ظاهرة التحصيل، وذلك لتعدد وتنوع وتفاعل المتغيرات والظروف التي تساهم في إحداثها بشكل أو بآخر.
وتتوقف عملية الضبط على وجود علاقات سببية أو وظيفية بين متغيرين أو أكثر، وعلى إمكانية معالجة أحد هذه المتغيرات، بحيث يتمكن الباحث من تغيير قيمته لبيان أثره في المتغيرات الأخرى. فقدرة الأطفال على القراءة مثلاً، تنتج عن تعلم القراءة، فإذا استطاع الباحث التحكم في طرق تعلم القراءة، فإن أي اختلاف بين الأطفال، من حيث مستوى تحصيلهم في هذه المادة، يعود إلى اختلاف طرق تعليمها، فيما لو تشابهت بقية العوامل التي تؤثر في هذا التحصيل.
وبذلك يمكن القول بأن هناك علاقة سببية أو وظيفية بين طرق تعليم القراءة، ومستويات تحصيل التلاميذ في القراءة، أي أن مستوى التحصيل في القراءة محكوم أو مضبوط بطرق تعليمها.
وهكذا يتضح أن كلاً من الفهم والتنبؤ والضبط يقوم على إيجاد نوع من العلاقات بين المفاهيم أو المتغيرات موضع الاهتمام، فالفهم يقوم على العلاقات المنطقية، ويقوم التنبؤ على العلاقات الزمنية، بينما يقوم الضبط على العلاقات الوظيفة أو السببية.
طرق دراسة العلاقات بين المتغيرات
يلاحظ مما سبق أنه يمكن تصنيف العلاقات إلى علاقات منطقية وزمنية ووظيفية، وذلك طبقاً لأهداف العلم الثلاثة الفهم والتنبؤ والضبط. ولكن يمكن تصنيف هذه العلاقات أيضاً إلى علاقات ارتباطية وعلاقات سببية، وذلك طبقاً للمنهج الذي يتبعه الباحث لدى دراسة الظواهر موضع الاهتمام.
تدل العلاقات الارتباطية على نزعة بعض المتغيرات إلى الحدوث معاً، دون أن تعكس بالضرورة ما يسمى بعلاقة السبب والأثر، إذ يمكن القول بأن المتغير أ ينزع إلى الوجود مع المتغيرات. أما العلاقات السببية فتدل على اثر متغير ما في متغير آخر، بحث يؤدي التغير الذي يطرأ على المتغير الأول إلى تغير في المتغير الثاني، ويمكن أن يقال حينذاك، بأن المتغير أ يسبب أو يحدد المتغير ب.
وتحديد طبيعة العلاقة من حيث كونها ارتباطية أم سببية، ذو أهمية بالغة في علم النفس التربوي، لما يترتب على ذلك من نتائج عملية ترتبط بطبيعة استخدام العلاقة ذاتها، فقد بين علماء النفس منذ زمن طويل أن الأفراد ذوي معدل الذكاء المرتفع، ينزعون إلى امتلاك حصيلة لغوية أغنى من التي يملكها ذوو معدل الذكاء المنخفض.
ولما كان الذكاء المرتفع أمراً مرغوباً فيه، فقد يلجأ شخص ما إلى تنمية حصيلته اللغوية واغنائها، بهدف زيادة معدل ذكائه، مفترضاً أن العلاقة بين معدل الذكاء والحصيلة اللغوية، علاقة سببية متبادلة، الأمر الذي بين فليسك (Flesck, 1954) خطأه، لأن الحصيلة اللغوية مظهر من مظاهر الذكاء وليست سبباً له، فإذا كان معدل الذكاء المرتفع يؤدي إلى حصيلة لغوية غنية، فالعكس ليس صحيحاً، أي أن الحصيلة اللغوية الغنية لا تؤدي إلى زيادة معدل الذكاء.
ولتحديد طبيعة العلاقة بين متغيرين أو أكثر، لابد من معرفة ما إذا كانت هذه العلاقة موجودة أم لا أولاً، لذلك يجب وجود أساس تقترن فيه المتغيرات موضع البحث، فالطالب مثلاً، هو أساس العلاقة بين الدافعية والتحصيل أو بين التكيف الدراسي ومفهوم الذات، وعدد طلاب الصف هو أساس العلاقة بين حجم الصف والمستوى التحصيلي، كما أن كمية التدريب هي أساس العلاقة بين الأداء والتدريب، وهكذا البحث التجريبي، حيث يقوم المنهج الارتباطي في العلوم الاجتماعية والإنسانية مقام التجريب في العلوم الفيزيائية، بيد أنه لا يعكس بالضرورة العلاقة السببية بين المتغيرات.
لذا يحاول الباحثون تحويل الظواهر الكيفية إلى ظواهر كمية، ومعالجتها إحصائياً، لبيان الارتباط بينها.
ويستخدم مصطلح «معامل الارتباط» للإشارة إلى القيمة الرياضية التي تمثل الارتباط بين متغيرات الظاهرة موضع البحث. وتتراوح هذه القيمة بين +1 و-1 مروراً بالصفر. ويزود معامل الارتباط الباحث بمعلومات حول وجود يتبين ضرورة وجود قاعدة تقترن فيها مفاهيم الدراسة، فعندما يقع الباحث على وجود مثل هذه القاعدة، يحاول تحديد نوعية العلاقات بين هذه المفاهيم، باستخدام منهجين أساسيين، هما: المنهج الارتباطي، لتبيان العلاقات الارتباطية، والمنهج التجريبي، لتبيان العلاقات السببية.
منهج الدراسات الارتباطية: Correlational Studies
تنزع بعض المتغيرات إلى الاقتران أو الوجود معاً في الكثير من الأوضاع التعليمية المختلفة، كالتحصيل والدفاعية والذكاء والميول.. الخ ويحاول الباحثون في علم النفس التربوي التأكد من مدى الارتباط الموجود بين هذه المتغيرات لدراسة العلاقات بينها، وذلك باستخدام الطرق الارتباطية. وتعتبر هذه الطرق هامة في مجال البحث في علم النفس التربوي، لأن العديد من موضوعات هذا العلم، لا تخضع لسبب طبيعتها لأسس الارتباط وكميته واتجاهه.
فإذا بلغت قيمة هذا المعامل بين متغيرين الصفر أو ما يقارب الصفر، فإن ذلك دليل على انعدام الارتباط بين هذين المتغيرين كالارتباط بين وزن الجسم ومعدل الذكاء. وقد بين فلانجان وآخرون (Gage et al, 1975) عدم وجود ارتباط بين سمة «النظافة» والمعلومات البيولوجية عند طلاب المرحلة الثانوية، حيث بلغت قيمة معامل الارتباط بين هذين المتغيرين صفراً، أي لا يوجد أي شكل من أشكال الارتباط بين «النظافة» والمعرفة العلمية بالأمور البيولوجية، كما قد يتبادر لأذهان البعض.
ويشير الارتباط الإيجابي، إلى أن التغير الذي يطرأ على أحد المتغيرين يقترن بتغير في المتغير الآخر، ولكن في الاتجاه ذاته، أي أن ارتفاع قيمة أحد المتغيرين، تقترن بارتفاع قيمة المتغير الآخر، والعكس صحيح، أي انخفاض قيمة متغير، تقترن بانخفاض قيمة المتغير الآخر. فالمستوى التحصيلي السابق للطلاب، يرتبط إيجابياً بمستواهم التحصيلي المستقبلي، وأن ارتفاع أو انخفضا المستوى التحصيلي في مرحلة دراسية معينة، مرتبط بارتفاع أو انخفاض المستوى التحصيلي في مرحلة دراسية لاحقة. وقد أشارت البحوث قبلاً إلى وجود ارتباط إيجابي بين المستوى التحصيلي للطلاب في المرحلة الثانوية، ومستواهم التحصيلي في المرحلة الجامعية، وتتراوح قيمة هذا الارتباط بين 40، 0، 60، 0 وتبلغ هذه القيمة (19) إذا كان الارتباط إيجابياً كاملاً بين المتغيرين، كالارتباط بين درجة الحرارة وارتفاع الزئبق في عمود ميزان الحرارة.
أما الارتباط السلبي، فيشير إلى أن التغيير الطارئ على أحد المتغيرين يقترن بتغير يطرأ على المتغير الآخر، ولكن في الاتجاه المضاد. أي ارتفاع قيمة أحد المتغيرين، تقترن بانخفاض قيمة المتغير الآخر، والعكس صحيح، أي انخفاض قيمة أحد المتغيرين، تقترن بارتفاع قيمة المتغير الآخر. وقد بين فلانجان وجود ارتباط سلبي بين ميول الطلاب إلى العمل التجاري ومعلوماتهم حول المسرح والباليه، إذ بلغت قيمة معامل الارتباط بين هذين المتغيرين ـ 0.34، الأمر الذي يعني أنه كلما ازداد ميل الطلاب إلى العمل التجاري، كلما قلت اهتماماتهم بالشؤون الثقافية المتعلقة بالمسرح والباليه. وتبلغ قيمة معامل الارتباط (-1) إذا كان الارتباط بين متغيرين سلبياً كاملاً، كالارتباط بين الضغط وحجم الغاز.
وتتوقف أهمية الارتباط على كميته أو قيمته، فكلما ابتعدت هذه القيمة عن الصفر، في الاتجاه السالب أو الموجب، كلما كانت العلاقة بين المتغيرين موضع الدراسة كلما كانت العلاقة بين المتغيرين موضع الدراسة أقوى. بيد أن قوة العلاقة أو ضعفها لا يعني حكماً وجود أو عدم وجود علاقة سببية بينهما، فالمستوى التحصيلي السابق، قد يؤثر أو لا يؤثر في المستوى التحصيلي اللاحق، لأن هناك متغيرات أخرى ـ كالقدرات العقلية، وسمات الشخصية والدافعية.. الخ ـ تؤثر في المستوى التحصيلي للطالب، ولا يستطيع الباحث أو لا يرغب في ضبطها لأسباب معينة.
ومع ذلك، تغير الطرق الارتباطية في دراسة العلاقات التنبؤية بين المتغيرات. وغالباً ما يحاول الباحثون في ميدان علم النفس التربوي إيجاد وسائل تنبؤية أو «منبئات» تمكنهم من التنبؤ بنجاح الطلاب في مادة دراسية معينة أو بالنجاح المدرسي عموماً، وهذا ما يبرر وجود الكثير من اختبارات «الاستعدادات» التي تنبئ بقدرة الفرد على اكتساب مهارات معينة، للارتباط القائم بين «الاستعداد» و«المهارة» المطلوبة.
وتوفر الدراسات الارتباطية، بسبب وظيفتها التنبؤية، الكثير من الجهد والمال والوقت، فإذا وجد الباحث ارتباطاً مرتفعاً نسبياً بين بعض السمات العقلية، كالطلاق والأصالة والمرونة، وبين بعض سمات الشخصية، كالمرح والثقة بالنفس والاستقلال والمبادهة، فقد يستطيع التنبؤ بسمات الشخصية باستخدام مقاييس الطلاق والأصالة والمرونة، أو التنبؤ بالسمات العقلية باستخدام مقاييس سمات الشخصية. وبذلك يقتصر على استخدام مجموعة واحدة من الاختبارات، للتنبؤ بما تقيسه مجموعة أخرى من الاختبارات، إذا كان الارتباط بين ما تقيسه هاتان المجموعتان من الاختبارات مرتفعاً، الأمر الذي يوفر من جهد الباحث ووقته وماله.
منهج الدراسات التجريبية: Experimental Studies
لقد تبين أن منهج الدراسات الارتباطية لا يكشف بالضرورة عن وجود العلاقات السببية، الأمر الذي يحد من قدرة الباحث على ضبط الظواهر موضع الدراسة والتأثير فيها، ولاكتشاف هذه العلاقات يلجأ الباحثون إلى استخدام المنهج التجريبي، حيث يقوم الباحث بتصميم تجربة يعالج فيها أحد متغيرات الظاهرة ويسمى بالمتغير المستقل، فيقدمه بأشكال أو طرق أو قيم مختلفة، لبيان أثره في متغير آخر، يسمى بالمتغير التابع، أمكن الاستنتاج بوجود علاقة سببية بين المتغيرين، وأن المتغير المستقل يسبب أو يؤثر في المتغير التابع.
وقد استخدم أحد الباحثين (صحاري، 1981) المنهج التجريبي لبيان أثر معرفة الطلاب بالأهداف السلوكية في مستوى تحصيلهم في مادة الرياضيات. ولتحقيق هذا الهدف اختار الباحث عينة عشوائية من الطلاب ووزع أفرادها على ثلاث مجموعات معالجة، وزود أفراد المجموعة الأولى بالأهداف السلوكية قبل تدريس المادة التعليمية، وزود أفراد المجموعة الثانية بالأهداف السلوكية بعد تدريس هذه المادة ولم يزود المجوعة الثالثة بأي من الأهداف التي زود بها المجموعتين الأوليين. وبعد الانتهاء من تدريس المادة التعليمية، عرض أفراد المجموعات الثلاث لاختبار تحصيلي واحد، واستخدم بعض الطرق الإحصائية لبيان ما إذا كانت الفروق بين المستويات التحصيلية للمجموعات الثلاث ذات دلالة إحصائية أم لا، وبينت النتائج أن المستوى التحصيلي للمجموعة التي زودت بالأهداف السلوكية قبل عملية التدريس، أفضل من المستوى التحصيلي للمجموعات الأخرى. واستنتج الباحث أن تزويد الطلاب بالأهداف السلوكية قبل عملية التدريس، يؤثر في مستوى الطلاب التحصيلي في مادة الرياضيات، أي أن هناك علاقة سببية بين التزود بالأهداف السلوكية والتحصيل.

لإجراء دراسة تجريبية من هذا النوع، يجب على الباحث القيام بالخطوات التالية:
1 ـ تحديد كل من المتغير المستقل والمتغير التابع. إن طرق تزويد الطلاب بالأهداف السلوكية، كما جاء في الدراسة السابقة، تمثل المتغير المستقل، بينما تمثل المستويات التحصيلية لأفراد مجموعات الدراسة المتغير التابع.
2 ـ الاختيار العشوائي لأفراد العينة وتوزيعهم عشوائياً على مجموعات المعالجة. وذلك لإزالة أثر الفروق بين هذه المجموعات والتي قد تنتج عن متغيرات أخرى تؤثر في الظاهرة موضع الدراسة. فالمستوى التحصيلي يتأثر بعوالم متعددة غير الأهداف السلوكية، كمعدل الذكاء، ومستوى الدافعية، ودرجة الانتباه.. الخ إلا أن التعيين العشوائي يقوم بإزالة أثر الفروق بين المجموعات من حيث هذه المتغيرات.
3 ـ تصميم مجموعات المعالجة وتقسيمها إلى مجموعات تجريبية، كالمجموعات التي زودت الأهداف السلوكية وخضعت للمعالجة، ومجموعات ضابطة، كالمجموعة التي لم يزود أفرادها بالأهداف السلوكية، وذلك لمقارنة نتائج المجموعات التجريبية بنتائج هذه المجموعة.
4 ـ استخدام الطرق الإحصائية المنسابة للتحقق من أن تباين نتائج مجموعات المعالجة يعود إلى فروق حقيقية بين النتائج وليس إلى عامل الخطأ أو الصدق.
إن الطرق التجريبية في علم النفس التربوي بحاجة إلى مراس وقدرة تقنية عالية. وكثير من الباحثين في ميدان هذا العلم لا يستطيعون اكتشاف العلاقات السببية دون بعض الغموض، بيد أن اختيار أفراد العينة وتوزيعهم على مجموعات المعالجة بشكل عشوائي، واستخدام الأساليب الإحصائية المناسبة يمكن الباحث من الوصول إلى نتائج تتصف بدرجة كبيرة من الثقة.
الخلاصة: أرجو أن أكون قد قدمت كافة المعلومات اللازمة التي تفيدكم في فهم هذا الموضوع.
اخوكم /عصام البوتاني
cheers cheers
avatar
esambotani

عدد المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 01/04/2011
الموقع : eshraf.alafdal.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://eshraf.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى