العوامل المؤثرة في نتائج العقاب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

العوامل المؤثرة في نتائج العقاب

مُساهمة  esambotani في الثلاثاء أغسطس 02, 2011 5:55 am

العوامل المؤثرة في نتائج العقاب
أشارت نتائج بعض الدراسات إلى أن الاستجابات تتباين في مدى مقاومتها لعمليات الكف، فالاستجابات الختامية Consummatory responses ـ وهي الاستجابات ذات العلاقة بالأكل والشرب والاتصال الجنسي، والتي تشبع حاجات أولية أو بيولوجية ـ عرضة للتأثر بالعقاب على نحو شديد، الأمر الذي يناقض ما هو متوقع، إذ من المعتقد أن هذا النوع من الاستجابات أكثر مقاومة للكف الناجم عن العقاب، نظراً لأهميتها البيولوجية وعلاقتها الوثيقة ببقاء العضوية والنوع (Solomon, 1964) فقد تبين أن العقاب يؤثر بشكل قوي في التواصل الجنسي عند القوارض (Beach et al, 1956) وفي العددي من الاستجابات التغذوية عند العديد من الحيوانات، كالفئرانن والضفادع والسمك والكلب والقرود (Masserman, 1943, Klee, 1944 Masserman and Pechtel, 1954, Myer and Ricci, 1968) وتعني نتائج هذه الدراسات عموماً، أن العقاب يؤثر على نحو فعال جداً في الاستجابات السلوكية ذات العلاقة بإشباع الحاجات الأولية للعضوية، بحيث يمكن كفها أو إزالته بإجراءات عقابية دون مقاومة كبيرة.
جذبت هذه الظاهرة اهتمام بعض الباحثين (Church, 1969m Bertsch, 1972) وحاولوا تبيان ما إذا كانت بعض الاستجابات الإجرائية أو الوسيلية المتعلمة، كالضغط عل الرافعة من أجل الحصول على الطعام مثلاً، تتأثر بالعقاب على النحو الذي تتأثر به الاستجابات الختامية، وتبين أن الاستجابات الختامية، أكثر عرضة للتأثر بالعقاب من الاستجابات المتعلمة ـ الإجرائية أو الوسيلة ـ إذا قيس هذا التأثر بمعدلات انخفاض تكرار الاستجابات موضوع العقاب.
على الرغم من عدم توقع مثل هذه النتائج، وافتقارها إلى التعليل المنطقي، إلا أنها تنطوي على أهمية بالغة في مجال التعليم الإنساني، فالأم العقابية مثلاً، قد تؤدي برضيعها إلى عدم الإمساك بالثدي أو زجاجة الحليب، كما قد تفقد قطع الحلوى قيمتها التعزيزية الأولية فيما لو تكرر اقترانها بمعلمة تلجأ إلى استخدام الأساليب العقابية لدى تعاملها مع صغار الأطفال.
إن الاستجابات الختامية، كتناول الطعام والشراب، هي استجابات نمطية وفطرية وبسيطة نسبياً، إذا قورنت بالاستجابات المتعلمة، الأكثر عدداً وتنوعاً وتعقيداً.
لذلك تناولت تجارب العقاب في معظم الأحيان، دراسة أثر تطبيق مثيرات منفرة (مؤلمة أو غير سارة) على بعض الاستجابات التي تم تعلمها بأساليب التعزيز الإيجابي، ودلت نتائج معظم هذه التجارب على أن أثر العقاب يتوقف على أربعة عوامل رئيسية، هي: قسوة المثير العقابي، الفترة الزمنية الفاصلة بين تطبيق العقاب والاستجابة المعاقبة، والتاريخ العقابي السابق للعضوية، وتوافر الاستجابات البديلة. ونتناول فيما يلي كلاً من هذه العوامل على حدة.
1 ـ قسوة العقاب:
استخدم الباحثون حوادث ومثيرات وإجراءات عديدة في دراستهم التجريبية لبيان فعالية الإجراءات العقابية في كف السلوك، كصفع الأنف أو مقدمة الوجه، والصدمة الكهربائية أو الهوائية أو الصوت المرتفع... الخ، غير أن الصدمة الكهربائية كانت أكثر هذه المثيرات استخداماً لسهولة التحكم في قدرها أو كميتها من الوجهة التجريبية، وسهولة التعرف إلى أثر تباين شدة المثير العقابي في كف الاستجابات موضوع البحث. وتبين أن فعالية العقاب مرتبطة بقسوته التي يمكن تحديدها بعاملين، هما: شدة الألم الناجم عن تطبيق المثير العقابي، وديمومة هذا الألم أو فترة استمراره، حيث يتباين معدل الكف نتيجة لتباين قسوة العقاب، حيث توجد علاقة عكسية بين الاستجابات الصادرة أو المنبعثة عن العضوية، وشدة المثير العقابي وديمومته. فالصدمة الكهربائية الخفيفة والتي تستمر عشر الثانية مثلاً، أقل فعالية في كف الاستجابات من الصدمة الكهربائية الأقوى والتي تستمر نصف الثانية. (Korsk, 1962, Azrin, 1963, Storms et al, 1965, Boe, 1966).
هذا وقام بعض الباحثين بتجربة أديت هذه النتيجة، حيث دمجوا شدة لعقاب وديمومته لبيان أثر هذين العاملين معاً في كف السلوك غير المرغوب فيه، ووجدوا أن الكف يرتبط بقسوة المثير على نحو مباشر، وأن هذه القسوة نتيجة تفاعل شدة المثير العقابي مع ديمومته، وتوصلوا إلى المعادلة التالية:
قسوة العقاب = الشدة × الديمومة (Church et al, 1967).
توحي هذه النتائج بأن العقاب المستخدم في كف أنماط استجابية معينة، يجب أن يبلغ مستوى معيناً من القسوة لكي يغدو فعالاً وينتج التغيرات المطلوبة في السلوك، لذا يجب على المعلم أن يكون حكيماً لدى اختياره للمثيرات العقابية، بحيث تكون مناسبة للاستجابات المرغوب في كفها أو إزالتها، لأن نتائج الدراسات تشير بوضوح تام إلى أن التغير في معدل أداء الاستجابات يتباين بتباين قسوة العقاب.
2 ـ الفترة الزمنية الفاصلة بين تطبيق العقاب والاستجابة المعاقبة:
هل يلعب الزمن الفاصل بين الاستجابة وتطبيق العقاب دوراً في تحديد فعالية العقاب وأثره في كف هذه الاستجابة؟ أي هل يجب تقديم المثير العقابي بعد حدوث الاستجابة غير المرغوب فيها مباشرة؟
يرى ايستس (Estes, 1944) أن مثل هذا الفصل الزمني لا يؤثر في فعالية العقاب، ويفسر أثر العقاب في السلوك بتزايد الحالة الانفعالية للعضوية والناجمة عن تطبيق المثيرات المنفرة أو المؤلمة، وليس باقتران الاستجابة بالمثير العقابي. وهذا ما دعا بعض الباحثين إلى دراسة ما إذا كان الاقتران بين الاستجابة والمثير المنفر ضرورياً لإنتاج الأثر الكفي في السلوك.
لقد أشارت نتائج بعض الدراسات إلى أن الإجراءات العقابية التي تعالج الزمن كمتغير مستقل، تلعب دوراً هاماً في فعالية العقاب، وأن هذه الفعالية لا تعود بالضرورة إلى الحالة الانفعالية الناجمة عن توقيع العقاب، بل إلى العلاقة الزمنية بين المثير المنفر والاستجابة، وهذه العلاقة، هي علاقة عكسية، أي كلما قصرت الفترة الزمنية بين تقديم المثير المنفر والاستجابة موضوع العقاب، كان هذا المثير أكثر فعالية في كف الاستجابة (Azrin, 1956, Comp et al, 1967, Church, 1970) الأمر الذي يشير إلى أهمية الاقتران بين الاستجابة والعقاب في تحديد فعالية العقاب، وإلى الدور الحاسم الذي يلعبه الزمن في عملية الكف الاستجابي.
3 ـ التاريخ العقابي السابق:
يشكل تعرض العضوية السابق للمثيرات المنفرة، وخبرتها السابقة في هذا الصدد، عاملاً آخر من العوامل التي تحدد فعالية العقاب، غير أن نتائج الدراسات التي تناولت هذا العامل، لم تتفق على تحديد أثره ودوره في مجال كف السلوك. ففي الحين الذي أشار فيه بعض الدراسات إلى أن الخبرة المسبقة للعضوية بالمثيرات المنفرة أو المؤلمة يخفض مستوى فعالية العقاب (Miller, 1963, Carch, 1963) أشارت دارسات أخرى إلى أن مثل هذه الخبرة تزيد من فعالية العقاب (Pearl et al, 1964).
وفي ضوء هذه النتائج المتناقضة، قام رايموند (Raymond, 1968) بعدد من التجارب لبيان الشروط العقابية السابقة التي تؤثر في زيادة أو خفض أثر العقاب اللاحق. ودلت نتائجه على أن أثر الخبرة العقابية السابقة يختلف باختلاف قسوة العقاب اللاحق، فإذا كانت هذه القسوة شديدة، فإن الخبرة العقابية السابقة تخفض أثر العقاب اللاحق أو تحد من فعاليته، أما إذا كانت القسوة معتدلة، فالخبرة العقابية السابقة تزيد من فعالية العقاب اللاحق.
يبدو أن تعارض نتائج الدراسات التي تناولت أثر الخبرة العقابية السابقة في العقاب اللاحق، يعود إلى تباين الإجراءات العقابية التجريبية المتبعة، وتباين المثيرات المنفرة المستخدمة من حيث شدتها وديمومتها وعدد مرات تطبيقها. ولكن يمكن القول عموماً، بأن العقاب (كخبرة تعلمية سابقة) يؤثر في السلوك اللاحق، وبخاصة في حال تشابه السياقات السلوكية التي يتم فيها إيقاع العقاب. وتحديد اتجاه هذا الأثر ـ اتجاه زيادة الفعالية أو خفضها ـ يتوقف على معرفة التاريخ العقابي السابق للعضوية، ومتغيرات الوضع العقابي اللاحق.
4 ـ توافرية الاستجابات البديلة:
يسود اعتقاد مفاده أن العقاب أداة فعالة جداً في تعديل السلوك، إذا استخدمت فترة كف الاستجابات غير المرغوب فيها في تعليم استجابات جديدة، تتعارض مع الاستجابات القديمة، حيث يمكن للإجراء العقابي أن ينتج آثراً كفية طويلة المدى، إذا توافرت استجابات إضافية تتمك العضوية من تعلمها وأدائها في فترة العقاب، فالأم التي تعاقب طفلها بسبب مص إبهامه، تفعل خيراً فيما لو وفرت الظروف لهذا الطفل، بحيث يتمكن من استخدام إبهامه ذاته في أداء استجابات أخرى يتم تعزيزها، كالإمساك بالقلم والكتابة أو الرسم.. الخ. ويبدو أن العقاب يغدو أكثر فعالية في تعديل السلوك، إذا كان المتعلم (أو العضوية) قادراً على تعديل أنماطه الاستجابية لعقاب مستقبلي.
إن عدم قدرة المتعلم على ضبط المثيرات العقابية، بسبب عدم توافر الاستجابات البديلة، كعدم قدرة الفأر على الهرب نتيجة إيقاع الصدمة الكهربائية عليه، يؤدي إلى ما يسمى بالعجز التعلمي Learned Helplessness (Solomon et al, 1977) وقد أظهرت نتائج بعض الدراسات أن الكلاب التي تتلقى صدمة كهربائية. ولا تستطيع ضبط ظهور الصدمة (أي التنبؤ بها) أو إنهائها بأداء استجابة تجنبية (استجابة الهرب من الصدمة) تعوق على نحو شديد من حيث قدرتها على أداء الاستجابات التجنبية التي تعلمتها سابقاً، في حين تعلمت الكلاب على نحو سريع جداً القيام بأداء مثل هذه الاستجابات، لدى توافر الظروف التي تمكنها من الهرب وتجنب الصدمة. وقد أشارت دراسات أخرى إلى صدق هذه النتائج في مجال التعلم الإنساني، فالفرد الذي يكون في سياق مؤذ أو غير مرغوب فيه، ويكون غير قادر على التنبؤ بالمثيرات المزعجة، أو غير قادر على إنهائها لدى حدوثها، يعوق تعلمه وأداؤه على نحو شديد (Gass and singer, 1973) لذا يجب إيقاع العقاب على نحو يمكن التنبؤ به، وتوفير استجابات بديلة تمكن المتعلم من إنهاء الحالة العقابية بتعلم استجابات مرغوب فيها، وبهذا الإجراء، يمكن التخلص من أنماط سلوكية غير مرغوب فيها، وتعلم أنماط أخرى مرغوب فيها في الآن نفسه.
العقاب والسلوك الإنساني
إن الرجوع إلى نتائج الدراسات التي تناولت بحث الإجراءات العقابية المتنوعة، يتيح فرصة استنتاج بعض القواعد العامة التي توجه إجراءات استخدام العقاب في تعديل بعض الأنماط السلوكية غير المرغوب فيها عند المتعلمين. واستنتاج مثل هذه القواعد، لا يعني دفاعاً عن استخدام العقاب أو تأييده أو تبريره، ولا يوحي باستخدام العقاب بديلاً عن التعزيز الإيجابي، وبخاصة في حال توافر الفرص لاستخدام هذا النوع من التعزيز. وبما أن العقاب أداة واقعية في حياتنا، ويلجأ إلى استخدامه الكثير من الآباء والمعلمين في أوضاع تعليمية وسياقات سلوكية مختلفة، لذا يجب معرفة شروط استخدام الإجراء العقابي في الأوضاع التي يكون فيها استخدامه أمراً لا مفر منه، بحيث يؤدي إلى نتائج ناجعة في مجال ضبط السلوك أو تعديله أو علاجه. ويمكن في ضوء ما أسفرت عنه نتائج الدراسات المختلفة تقديم الموجهات أو النصائح التالية، في حال ضرورة اللجوء إلى استخدام العقاب:
1 ـ يجب أن تكون شدة المثير العقابي ذات مستوى مرتفع نسبياً، وأن تبلغ فترة التعرض لهذا المثير مستوى معقولاً، بحيث تتوافر الفرصة المناسبة لإنتاج الألم أو الإزعاج القادر على كف الاستجابات غير المرغوب فيها.
2 ـ يجب تقديم المثير العقابي في حده الأقصى دفعة واحدة منذ المرة الأولى لتطبيقه، أي يجب عدم تقديم المثير العقابي على نحو تدريجي، بحيث تزداد قسوته مرة تلو الأخرى، لأن البحوث أثبتت عدم جدوى العقاب إذا ازدادت قسوته تدريجياً.
3 ـ يجب إيقاع العقاب بعد حدوث الاستجابة غير المرغوب فيها مباشرة، فقد تبين أن العقاب الفوري أكثر نجاعة من العقاب المؤجل، فكلما قصرت الفترة الزمنية الفاصلة بين الاستجابة والعقاب، كان العقاب أكثر فعالية ونجاعة.
4 ـ يجب عدم استخدام العقاب على نحو متكرر، بحيث يغدو استراتيجية شائعة، وبخاصة عندما تكون قسوة المثير العقابي معتدلة، فقد تبين أن العقاب المتواتر يسمح بظهور الاستجابات المعاقبة حتى في وجود المثير المنفرد.
5 ـ يجب عدم تقديم الثواب أو المعززات الإيجابية بعد توقيع العقوبات، لأن العقوبة قد تكتسب خصائص التعزيز الإيجابي إذا كانت متبوعة بهذا التعزيز. فلدى القيام بمعاقبة الطفل، يجب عدم إظهار المحبة له، قد يعود إلى ممارسة الاستجابة التي عوقب من أجلها، للحصول على المعزز (إظهار المحبة).
6 ـ يجب توافر الاستجابات البديلة عند توقيع العقب، فتوافر الاستجابات السلوكية المقبولة التي يمكن أداؤها تجنباً للعقاب، يجعل فاعلية هذا العقاب أكثر نجاعة في كف الاستجابات السلوكية غير المقبولة.
7 ـ يفضل في معظم الأوضاع العقابية، استخدام العقاب السلبي، أي الحرمان من المعززات الإيجابية، وهذا يتطلب معرفة التاريخ التعزيزي السابق للفرد، للوقوف على المثيرات التي يعتبرها معززات إيجابية، ولعل حرمان الطفل من مشاهدة فيلم كرتوني تلفزيوني من أفضل العقوبات التي يمكن توقيعها عليه، إذا كان مغرماً في مثل هذه الأفلام.
8 ـ إن أحد أكثر المبادئ النفسية أهمية في العقاب، والذي يتجاهله الآباء والمعلمون عادة عندما يرغبون في تعديل سلوك الأطفال، هو أن العقاب يبلغ حده الأقصى من حيث الفاعلية، عندما يرتبط بالتعزيز الإيجابي للأنماط السلوكية المرغوب فيها، لأن الأداة الأساسية لتعديل السلوك تكمن في التعزيز الإيجابي، وليس في العقاب وغالباً ما يسمع الأطفال بما لا يجب عليهم أداؤه أو القيام به من سلوك، ونادراً ما يتم تعزيز سلوكه المرغوب فيه. إن التعزيز الإيجابي للسلوك المرغوب فيه، هو القاعدة، أما عقاب السلوك غير المرغوب فيه، فهو الاستثناء

أخــــوكم /عصام البوتاني
avatar
esambotani

عدد المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 01/04/2011
الموقع : eshraf.alafdal.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://eshraf.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى