الأسس الفلسفية للمناهج التربوية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الأسس الفلسفية للمناهج التربوية

مُساهمة  esambotani في الثلاثاء أغسطس 02, 2011 6:55 am

الأسس الفلسفية للمناهج التربوية

إن كلمة "فلسفة" تعني في أصلها اليوناني "حب الحكمة"، وليس يقصد بالحكمة ذات المعلومات والمعارف التي يتعلمها الإنسان في المدرسة أو خارج المدرسة، وإنما تعني شيئاً يزيد على هذه المعلومات وتلك المعارف وهو استخدامها وتطبيقها في مواقف الحياة العلمية، فمثل العلم والحكمة كمثل نبع الماء وكيفية استخدامه في ري الزرع، فإن العلم يهتم بميادين المعارف الإنسانية كالرياضة وعلم النفس والجيولوجيا والطبيعة والتاريخ والتربية والجغرافيا وغير ذلك، ولكن الحكمة تنتفع بكل هذه العلوم في الاهتداء إلى السير في الحياة على منوال دون منوال آخر، ولا عجب إذا أن كان كثير من الفلاسفة في بداية أمرهم علماء فديكارت “Decartes” ولا يبنتز “Leibintz” كان لهما في ميدان الرياضة جولات وأعمال رياضية مشهود بها، وكانت “Kants” كان إخصائيا في علم الجغرافيا والطبيعة ولا بلاس “Laplace” كان عالماً في الفلك، وغير هؤلاء كثير.

وبهذا المعنى فلكل إنسان في الحياة فلسفة توجه سلوكه وتصرفاته، ويبني عليها أحكامه، ويستنبع معينها في تفكيره، بمعنى أنه – بناء على ما عرف من معلومات وحصل من حقائق وخبرات علمية وغير علمية – يتخذ لنفسه طريقة يفهم بها الحياة، ويترجم مظاهرها لنفسه، ويتكيف لما تفرض عليه من أمور ومستلزمات، ومع الفلسفة التي يتبناها الشخص لنفسه تعمل دائرة أخرى من دوائر توجيه السلوك وتكييف الأفعال وهي القدرات والاستعدادات التي تحدثنا عنها في سابقاً، والتي تختلف من شخص إلى شخص حتى يكاد يكون مستحيلاً أن تتساوى بمجموعها في شخصين، وعلى أساس من الفلسفات والقدرات والاستعدادات الخاصة بالأفراد يسلك الناس سلوكاً يختلف بعضه عن بعض، وتبدو أفعالهم في بعض الأحيان متضاربة أو متقاربة.

والتربوي كأي فرد من الأفراد – سواء أكان مدرساً أم إدارياً أم مشرفاً فنيا أم متصلاً بالميدان التربوي بأي صلة – له فلسفة خاصة به في حياته الفنية يحاول أن يطبقها في دراسة المشاكل التربوية والمسائل التعليمية التي تعرض له ليقود النمو والتطور للشباب في المجتمع الذي يعيش فيه بما يخلق منهم الأكفاء في المواطنة، ويحقق لجميعهم السعادة ويجعلهم خير خلف لمن يخلفونهم من الأجيال.

وحينئذ تبرز للتربوي فلسفته التربوية التي ينبني عليها مناهجه الدراسية، وتتميز بها تصرفاته خلال قيامه بمسئولياته الفنية وسعيه وراء الأهداف التي يعمل علم التربية على إنجازها وقامت المدرسة من أجلها، وهذه الفلسفة التربوية معناها إذا تطبيق النظريات والأفكار الفلسفية المتصلة بالحياة في ميدان التربية وتنظيمها في منهج خاص من أجل حل مشاكل الشباب والمجتمع، والعمل على نمو الفرد وتطوره فردياً واجتماعياً، كي يحس بسعادة أكثر من سلفه، ويتكيف بصورة أقوى مع الناس الذين يعيش معهم، ويحل مع أمثاله محلهم في التربع على عرش الحياة، وعلى الجملة كي تتحقق الأهداف التربوية المرغوب فيها.

ولقد أخذت المناهج والتطبيقات التربوية العديدة دون شك من فلسفة الفلاسفة الذين سبقوا بالابتكار في هذا المضمار،ولقد تخالفوا فيما بينهم في مناهجهم التربوية بقدر ما بينهم من خلاف في الفلسفة التي تحكم آراءهم، فأفلاطون مثلاًكان فيلسوفاً له في التربية منهج يختلف عن ذلك الذي نادى به جون ديوى “John Dewey” وسقراط كان كذلك فيلسوفاً ينتهج منهجاً تربوياً يتميز من كثير من مناهج غيره، وروسو كانت له طريقته الخاصة في تربية طفله "إميل" وله منهجه الذي يميزه كذلك، وهكذا،

وإذا كانت فلسفة التربية كما ذكرنا تهتم بالمناهج التربوية والأسباب الداعية إلى استخدام أدوات التربية من مدارس ومؤسسات وكتب وغير ذلك، وبالكشف عن الأهداف التي تسعى التربية إلى تحقيقها للفرد والمجتمع، فإن علم التربية يهتم بالمناهج والوسائل والطرق والأدوات نفسها التي تستخدم للوصول إلى تلك الأهداف النابعة من فلسفة التربية، إنه يعني بالمعارف والمفاهيم التي تنطق بها التجارب.

وتشير إليها الإحصاءات والمقارنات التربوية.

والممعن في أمر الفلسفات التربوية العديدة التي قامت وعاشت عبر الأزمان يجد أن أصولها ومناهج البحث فيها تتجمع في اتجاهات ثلاثة:

الأول: الاتجاه التسلطي “Authoritarianism”، ويتمثل في أن يكون المدرس مركز الدائرة في عملية التعلم والتعليم داخل إطار المنهج الدراسي، ويشار إلى هذا الاتجاه كثيراً بأنه الفلسفة التقليدية في التربية “Traditionalism” أو الفلسفة الجوهرية “Essentialism” .

الثاني: الاتجاه الديمقراطي “Democratic” ويقضي بأن يكون لكل من المدرس والتلميذ اعتباره في العمليات التربوية والمناهج الدراسية بحيث يتعاونان في التخطيط لها وينفذان معاً ما قاما بتخطيطه، ويطلق على هذا الاتجاه اسم الفلسفة التقدمية Progressivism

الثالث: اتجاه التحرر المطلق Laissez Faire، ويقوم على مركزه الطفل في العملية التربوية الدراسية مركزة تطلق له عنان التصرف دون أن يتلقى أي توجيه من المدرس، ويمثل هذا الاتجاه الفلسفة الطبيعية الرومانتيكية" التي سنتحدث عنها فيما بعد.

ونظراً لأن قليلا من التربويين يميلون إلى اتجاه التحرر المطلق من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه كثيرا ما يختلط مفهوم هذا الاتجاه بمفهوم الفلسفة التقدمية إذا زايله معنى الإطلاق، فإننا سنقصر الكلام على الفلسفة الأولى والثانية ، إذ يبدو أن بينهما تعارضاً في وجهات النظر التي يتبناها أنصار كل منهما ويكرسون جهودهم للدفاع عنها وغض النظر عما تتضمنه قسيمتها من قيم تستحق الاعتبار، ولكن ينبغي أن نشير هنا أنه على الرغم من وجود هذا التعارض بين هاتين الفلسفتين فإن المعتقدات الأساسية لكل منهما ليست من الاختلاف والتضارب كما تبدو لكثير من الأشخاص الذين لا يتعمقونها، وفي الوقت نفسه يحاولون تأويلها بتكلف وانحراف.

والفلسفة التقليدية تمتد جذورها في ثنايا التاريخ حتى تتصل بما وضعه كوميناس “Comenius” ولوك “Locke” ورسو “Rousseau” وبستالوزي “Pestalozzi” ثم أخيراً إدوارد إدوارد ثورنديك “Edward Thorndike”، وذلك في مجموعه يقوم على نظريتين:
الأولى : ما يعرف بالنظرية الواقعية الحسية “Sense Realism” التي تقول بأن منابع المعرفة في الإنسان هي الحواس بمعنى أنها أدوات الوصول إلى الحقيقة، أو بمعنى آخر الحقيقة عند الشخص هي ما تقوم حواسه بإدراكه.

الثانية: ما يعرف بالنظرية الترابطية “Associationism”، وتعتمد على التوضيح السيكلوجي لكيفية تحويل التأثيرات الحسية إلى مدركات ومعارف، وتقرر – بناء على هذا التوضيح – أن التعليم ليس إلا عملية تعميم تنبني على عدد من الخبرات الحسية.

ثم جاء بعد ذلك وليم باجلي “William Bagley” وتشارلس جد “Charles Judd” وإيرنست هورن “Ernest Horn” فأضافوا إلى المفهوم المتقدم مفاهيم أخرى أدت في النهاية إلى تكوين وجهة النظر التقليدية المتكاملة التي تعرف باسم الفلسفة التقليدية “Traditionalism” ويطلق عليها أيضاً اسم الفلسفة الجوهرية “Essentialism” وهي ترتكز على الحقيقة التي تقول بأن إلمام الإنسان بتراثه الثقافي وما فيه من معارف وحقائق واقعية هو خير قائد له في تصرفاته المستقبلة، وأن المنهج التعليمي ينبغي أن يهدف إلى مساعدة الأطفال كي يكونوا كباراً أسوياء وذلك عن طريق تحصيل الحكمة والمعرفة والمعلومات لتي تخلفها الأجيال السابقة.

ووصف هذه الفلسفة بأنها جوهرية يعبر عن روحها التربوي أصدق تعبير، فإن التقليديين يعتقدون أنه على الرغم مما يطرأ في المجال التربوي من اختلافات وتغييرات فإن هناك أساسيات تربوية هي جوهر المعرفة قد صيغت ورتبت سلفاً، ويجب على الشباب أن يتعلمها ويعرفها وتوضع له منهجاً للدراسة.

ولقد عورضت هذه الفلسفة التقليدية من أمثال هارولدرج “Harold Rugg” وجورج كاونتر “George Counts” ووليم كلياترك “William Kilpatrick” بما اعتقدوه من أن المنهج الدراسي ينبغي أن يتلون بصورة المدركات والمفاهيم والرغبات التي تميز شخصية المتعلم، وعلى المدرسة أن تهتم بمبدأ التخطيط التعاوني بين الأفراد في هذا المجتمع الذي يعد التحول السريع والتغير المستمر من أهم خصائصه، وقد عرفت وجهة النظر هذه النظر هذه بالفلسفة التقدمية في التربية “Progressivism” ولقد تفرع عن وجهة النظر التقليدية والتقدمية هاتين فلسفات عديدة بعضها ذات صبغة تقليدية، وبعضها ذات صيغة تقدمية، والبعض الثالث يأخذ من كلتيهما.
avatar
esambotani

عدد المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 01/04/2011
الموقع : eshraf.alafdal.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://eshraf.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى