الفلسفة الواقعية الطبيعية ومنهجها التربوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الفلسفة الواقعية الطبيعية ومنهجها التربوي

مُساهمة  esambotani في الثلاثاء أغسطس 02, 2011 6:59 am

الفلسفة الواقعية الطبيعية ومنهجها التربوي

Naturalistic Realism

تقوم الفلسفة الواقعية الطبيعية على اعتبار أن الأشياء مستقلة في وجودها استقلالا حقيقيا عن الظواهر العقلية، فالعالم الذي نعيش فيه ونحسه بمختلف أدوات الإحساس مادي وحقيقي بغض النظر عن إدراكه العقلي. وبمثل هذا الإيغال المادي تنزل الواقعية بالعقل نفسه إلى مستوى المظهر المادي. ووجهة النظر المادية هذه تبدو نزعة شائعة بين الناس. وقد اعتنقها بعض التقليديين أمثال "سبنسر" و "توماس" و "هكسلي" اعتقادا منهم أنها تبني الأساس المتين للفلسفة التربوية التي يعتنقوها، ووقوفا في وجه أولئك الذين يخرجون بالمناهج الدراسية عن واقع الحياة، ويتكلفون شططا في تأليف الكتب المدرسية.

والتربية عند الواقعي تهتم أساسا بالعالم الحاضر الذي يعيش فيه. فهو يقرر أن الكون شيء يستحق الاهتمام ويسترعي الألتفات إلى نظامه الدقيق؛ لأنه محكوم بقوانين صارمة دقيقة تستحق من الإنسان أن يتابع الجهد للكشف عنها في كل ناحية بما يشمل الناحية الاجتماعية. وإذا كانت العلوم الطبيعية تفوق العلوم الاجتماعية في الوقوف على القوانين الكونية والتعرف على المعادلات الدقيقة التي تتضمنها فليس معنى ذلك أن العلوم الاجتماعية تسير على غير نظام، بل الواقع أن الإنسان لم يصل بعد فيها إلى مرحلة التأكد والدقة القانونية التي وصل إليها في الثانية.

ومهما يكن من أمر فالإنسان لا يتجاوز دائرة ذكائه في جهاده مع الطبيعة الخارجية، فتارة يهتدي بهذا الذكاء إلى الكشف عما لا يعرف، وتارة أخرى يضل. غير أن الذكاء يتكامل وتقوى حدته في البيئة التي يحيا فيها الإنسان عندما يتصل التفكير والبحث بالتفسيرات الطبيعية لمظاهر الكون لأنه أداة التكيف لتغيراتها. وهذا التفسير يجعل العقل من إنتاج الطبيعة حيث قد تكون ليكون أداة التكيف لها، ولم يسبق وجوده وجودها. وإذا كانت هذه طبيعة العقل فهو قدير على تفهم عظمة صنع الله ومحاكاة الطبيعة التي تظهر هذه العظمة. وإذا فأجدى طريقة للتدريس تقوم على عرض الحقائق أمام العقل ليتفهمها ويدركها، ثم بعد ذلك يغرى بتمثلها وتطبيقها.

وجماعة الباحثين من الواقعيين التربويين يقولون: إن موضوع البحث ومادته في معظم العلوم التربوية له واقع مادي خارجي موضوعي محدد لا يتعداه، ويعد مرجعا عاما للمشروعات التربوية مهما فشل التربوي في تحديده تحديدا دقيقا. ولن تتغير هذه الحقيقة بما ثبت فعلا من أن الواقع الموضوعي معرض لعمليات التطور؛ فإن التربية ـ وبخاصة الدراسات العلمية المتصلة بها ـ ينبغي أن تكشف عن القوانين التي تحكم هذه العمليات التطورية وتضبط خضوع المادة لصفة التغير. وبهذا يتضح أن الواقعية الطبيعية لها طعم تقليدي وارتباط بأفكار التقليديين.

والواقع في نظر الواقعيين شيء متميز من الحقيقة ومختلف عنها، فهو هذه المادة ذات الموضع المعين في الكون، أما الحقيقة فهي صورة تلك المادة، أي صورة الواقع، واختبار الحقيقة إذا هو مطابقتها للواقع. وعلى ذلك فإن الأفكار تكتسب القيمة العملية لأنها حقيقية لها ظل من الواقع وليس لأنها واقع يولد الحقيقة، فإن الحقيقة يمكن أن تكون وليدة العقل الإنساني ولا يمكن أن تكون وليدة الواقع.

وبهذا الحوار يتضح أن التربية يجب أن تكون عملية تطابق مع الكون الذي نعيش فيه، وأن المنهج الدراسي يجب أن يتكون من أحسن المعلومات عن الواقع الذي يحيط بنا، ولن نصل إلى أحسن المعلومات إلا على يد أكفأ الباحثين. وبذلك يميل الواقعيون إلى الأسلوب الديكتاتوري في الإشراف على وضع المناهج وفرضها على المتعلمين لأنها ضرورية وجوهرية في فهم الحياة، وعلى المتعلم أن يعرف أن تربيته ينبغي أن تبنى على الكيفيات والمعلومات التي يخضع لها الواقع الخارجي.

ووجهة النظر التي يدافع عنها الواقعيون تتطابق مع اتجاهات كثير من الدراسات العلمية لعلم النفس التعليمي، وبخاصة ما ذهب إليه السلوكيون من قصر الاهتمام على السلوك الظاهري وإلغاء فعل العقل في بحوثهم وما ذهب إليه علم النفس في البحث عن المظاهر العصبية في الإنسان، فإن هذه الاتجاهات تنطق بالمادية والميكانيكية التي تتناسب والمذهب الواقعي وترينا بوضوح كيف ينحاز الواقعي إلى نوع التعلم الذي يقوم على أساس نظرية المثير والاستجابة.

ويحدد الواقعي الأهداف التربوية بالمثيرات. ولكن على الرغم من اعترافه بأن المثيرات تعتبر واقعا موضوعيا صالحا للقياس عليه إلا أنه لا يعترف بها أهدافا تربوية إلا بعد أن تمر بمرحلة البحث النظري. فهي في بداية أمرها وقبل استقرارها تتعرض للبحث والتحديد كأي موضوع أخر يتعرض له البحث العلمي. وعندما تستقر ويعترف بها الباحثون دون اعتراض فإنها تحمل معنى الهدفية المطلوب وتصبح مادة مصبوغة بروح الفلسفة الواقعية. ولذا يعد اللب الثقافي الذي تحدثنا عنه فيما سبق واقعا خارجيا يقاس عليه وتؤخذ منه الأهداف التربوية؛ لأنه مر بمرحلة الصراع والجدل والبحث النظري ثم استقر أخيرا كما تقدم شرح ذلك.

ومن هذه الزاوية يتم الالتقاء بالتربية التقليدية في وجوب الاهتمام باختيار العناصر التي نهدف إليها كما هي في حقيقة ذاتها دون أن نحاول التعديل فيها وفقا لحاجات الحياة العملية واهتمامات الناس. وكلما اتخذ هذا الاختيار شكلا نظريا صافيا عظم تأثيره وزادت فاعليته. وهنا يبرز السؤال الأتي:

هل للتربية المهنية والفنية مكان في المناهج التربوية لهذه الفلسفة ؟ ولإجابة هذا السؤال نقول: إن مكان التربية المهنية والفنية محفوظ وهام في المناهج التربوية الدراسية بشرط البعد عن التجريب أثناء التعلم، وأن تكون دراستها على أساس من محض النظريات العلمية المتصلة بها؛ لأن التربية المهنية أو الفنية ـ في نظر هذه الفلسفة ـ لا يوثق بها إذا قامت على التجريب وبنيت على الأساس العملي لأن المتوقع من الرجل العملي غالبا ألا يجد الوقت الكافي لمتابعة المدى الطويل في الدراسة النظرية فيهملها ولا يعنى بها، وهي معتمد هذه الفلسفة المتين.

والفلسفة الواقعية الطبيعية لا تؤمن بالأزلية وعدم التحديد في الوقت أو المكان لأن الإنسان حين يقيس الأشياء أو يفكر فيها فإنه يفعل ذلك في مكان محدد وفي دائرة وقته المحدود. ومن ناحية أخرى فإنه يطمئن إلى الطبيعة، ويشعر بالراحة وهو فيها بالرغم أنه لا يتوقع أن تعد له الحلول السليمة لما يواجه من مشاكل؛ لأنها توحي إليه بالثقة من حيث أن كل ما فيها ظاهر لا يختفي وراء ألغاز ولا تحجبه صفات علوية خارقة للعادة والمألوف. ولا يتعارض هذا مع اعتبار أن الاهتمام بالدين من صميم الفلسفة الواقعية الطبيعية؛ لأنها تعتبره خير ما في الطبيعة حيث إن الإله حال فيها، وهي بمثابة المعبد الذي يعبد فيه ويسبح بحمده.

والتربية الخلقية في الفلسفة الواقعية الطبيعية مؤسسة أيضا على قاعدة من الطبيعة، لأن الأخلاق تنشأ وتتولد في العادات والتقاليد إما بالضغط الاجتماعي أو بالدفع الذاتي بناء على قوة نتائجها الطبيعية. وعلى هذا فالتربية الخلقية لا تحتاج إلى سلطة خارجة عن الطبيعة. والتقاليد والقيم الاجتماعية لا للأوامر الإلهية.

ويتلخص أهم ما تؤكده الفلسفة الواقعية خاصا بالمناهج التربوية فيما يأتي:
1 ـ تعد الظواهر الطبيعية أهم مادة للدراسة، أما الدراسات الأدبية واللغوية وغيرها من المجردات فقيمتها ضئيلة إذا قيست بالعلوم الطبيعية.
2 ـ ينبغي الاهتمام بالمنهج المدرسي من حيث اتصاله بالمجتمع الخارجي.
3 ـ يدعو علماء الاجتماع من مشايعي الفلسفة الواقعية الطبيعية إلى دراسة الإنسان على الطبيعة دراسة مباشرة وذلك عن طريق التجوال حول العالم والاتصال به في كل مكان.
4 ـ ينبغي أن تدرس العلوم في ضوء النظريات العلمية التي تشغل الأذهان في الوقت الحاضر.
5 ـ يجب أن تلبي مناهج التربية حاجات المجتمع المهنية ولكن بلا تجريب وعلى أساس من محض الدراسة النظرية.
6 ـ الدراسة واختيار الأهداف يجب أن يحكمهما الحاضر والبيئة التي يعيش فيها المتعلم.
7 ـ تتأكد التربية الخلقية والدينية على الأساس الطبيعي الذي سبق شرحه.
8 ـ تؤكد الفلسفة الواقعية الطبيعية القياس العلمي في مناهجها التربوية؛ لأن نظرية التطابق التي يقول بها الواقعيون والتي تحدثنا عنها قبل ذلك تتطلب مستوى رفيعا من دقة القياس، وذلك يقتضي تكرار قياس كيفيات السلوك.

ومن ناحية أخرى فإن هذه الفلسفة تؤمن بنظرية المثير والاستجابة، وكل مثير واستجابة يشكلان وحدة دراسية موضوعية مشحونة بما تتطلب من قياس ما يلاحظ من كيفيات رد الفعل في التلميذ عندما يتلقى المثير أو يشعر به.
avatar
esambotani

عدد المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 01/04/2011
الموقع : eshraf.alafdal.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://eshraf.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى