الفلسفة الواقعية المدرسية ومنهجها التربوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الفلسفة الواقعية المدرسية ومنهجها التربوي

مُساهمة  esambotani في الثلاثاء أغسطس 02, 2011 7:01 am

الفلسفة الواقعية المدرسية ومنهجها التربوي


تؤمن الفلسفة الواقعية المدرسية بما آمنت به شقيقتها الفلسفة الإنسانية العقلية من احترام التفكير والتعليل العقلي ودراسة الطبيعة، ولكنها تضيف إلى ذلك الاعتراف بالوحي والإلهام وعلم اللاهوت، وبمعنى آخر تقوم الفلسفة الواقعية المدرسية على الاعتراف بكل من الطبيعة والقوة الخارقة للطبيعة ممثلة في الإله الذي خلق جميع الكائنات، وعلى أن لكل منهما صفات خاصة به لا تليق نسبتها إلى الآخر، فالزمان والتغير والنمو مثلاً من خصائص الحادث وهو الطبيعة في حين أن الأزلية وعدم التغير من خصائص الإله، إذ لا يصح أن يكون الإله عالماً بكل شيء أو قديراً على كل شيء وهو ينمو ويتعلم، أو يسبق وجوده وجود آخر، أو لا يستمر وجوده بعد فناء كل وجود، أو كان هناك شيء ما يعد جديداً بالنسبة له.

وليس من شك في أن الأزلي الدائم الوجود الذي لا يتبدل ولا يتحول يقف من الأشياء مكان جوهرها، ويسستأهل إذا دون سواء اهتمامنا التربوي به مما يحتم ثبوت الأهداف التربوية وعدم تغيرها وإجبار المتعلم على تعلم المنهج الدراسي الموضوع له حتى لا يضل طريق الوصول إلى هذا الجوهر، ذلك الطريق الوعر الملئ بالصعوبات والمشقة، فلو لم تجبر المدرسة تلاميذها على دراسة المناهج التي تضعها لهم وتابعت – دون قيود – رغباتهم لكان من النادر أن تصل عن هذا الطريق غير المباشر إلى تزويدهم بالمعارف والمعلومات التي تسعى إلى تزويدهم بها، على أننا في غنى عن الالتجاء إلى اختيار الطالب حيث إن القيم التربوية التي تهدف إلى تحقيقها تتشابه في الصفات مما يقلل من عدد الأساسيات التي ينبغي أن يشتمل عليها المنهج التعليمي، وحينئذ فلا داعي إلى الاختيار من هذه القلة وألا لم يبق شيء يذكر للدراسة والتعليم.

والتعلم الذي تؤكده الفلسفة الواقعية المدرسية هو الذي ينقل المتعلم ويرتفع به إلى الأولية التي يتمتع بها الإله، ولكن الوصول إلى هذه الغاية يعتبر نهاية المطاف الذي لا يتعداه إنسان أو يتقدم عليه قليلاً أو كثيراً، وفيما دون ذلك توجد المراتب المتدرجة والمتفاوتة بتفاوت الأشخاص، وكلما اتخذ الإنسان من الوسائل ما يزيد قربه من أزلية الإله كان أكثر تقدماً في الناحية التربوية، وهذا هو المقياس التربوي الذي لا تؤمن هذه الفلسفة بغيره عند حساب التقدم للمتعلمين، ومن هنا اتصفت الفلسفة الواقعية المدرسية بالصفة التقليدية حيث قد جعلت الغاية النهائية للمعرفة والتربية إدراك الحقيقة والوصول إلى قدسية الإله وأبديته، وذلك شيء لا يعتريه تغيير.
ويقرر أصحاب الفلسفة الواقعية المدرسية أن الحقيقة وإن كانت قدسية من طبيعة الإله إلا أن لها واقعاً خارجياً يمكن القياس عليه وهو يتمثل في الأشياء والمفاهيم والدراسات ونحو ذلك، والإنسان حين يتعلم الحقيقة لا يتعلمها مباشرة بصفتها العلوية الخالدة لأنها بهذه الصيغة خفية لا تنضح بسهولة، ولكن يتعلمها من الجانب الواقعي الخارجي لها، وبذلك ينتفي الاعتراض القائل بأن التعلم يقتضي تجريباً والتجريب يتضمن تحقيقاً والتحقيق فيه معنى التغيير الذي يضاد فكرة الثبوت والخلود في الحق الذي تنادى به هذه الفلسفة ، ولا يقال إن التحقيق في التعليم يؤدي إلى الحقيقة فهو صانعها، لأن الحقيقة لا يصنعها غير الإله، ومعنى التحقيق هنا هو اختبار مطابقة ما يتعلمه الإنسان للحقيقة لا من حيث علويتها وعموميتها الأزلية ولكن من حيث موضوعيتها وواقعها الخارجي.

وطبيعة العقل من وجهة النظر الواقعية المدرسية تختلف عن طبيعة الجسم، فالأول جوهر "ليس بمادة" والثاني مادة، وكل منهما مستقل عن الآخر، ولذلك ينبغي ألا نقول أن العقل موجود في المخ أو أي جزء من أجزاء الجهاز العصبي، وليس معنى هذه الثنائية بين العقل والجسم أن هناك انفصالاً في شخصية الفرد، بل تعترف الفلسفة الواقعية المدرسية أن الشخصية شيء واحد يكونه التفاعل بين الجسم والعقل، وهنا يأتي الاعتراض المحير على تلك الفلسفة ومفهومها للثنائية هذه، إذ كيف يمكن للمادة أن تتفاعل مع الجوهر الذي ليس بمادة أو العكس؟! وعلى الرغم من أن إتباع هذه الفلسفة لا يستطيعون الإجابة عن هذا التساؤل، إلا أنهم يحذرون من الثقة الكاملة في نتائج أبحاث علماء النفس السلوكيين لأن أبحاثهم لم تعن إلا بجزء من مكونات الشخصية وهو الجسم.

ومهما يكن من هذا الأمر فإن دور العقل الأساسي في هذه الفلسفة هو البحث عن الحقيقة، ووظيفة المدرسة ليست مجرد نقل الحقائق إلى المتعلم أو عكس صورتها كما يقول المذهب الواقعي الطبيعي والمثالي، ولكن وظيفتها هي العمل على فهمه للواقع فهما مباشرا وتعمقه في دراسة الأساسيات العلمية بتحصيل العلوم التي يتضمنها المنهج والتدريب المتكرر عليها ودراستها الشاملة، فبذلك يتسع أفقه المعرفي ويستطيع في النهاية بعد الدراسة والتحصيل أن يتوغل بنفسه في البحث عن الحق ولا يضل الطريق إليه، على أنه مهما ارتقى العقل وسما بتعلم العلوم الجوهرية ودراسة الأساسيات المعرفية فإنه – بإمكاناته المحدودة والقاصرة على إدراك الأبديات بصورة مباشرة كما تقدم – لا يستطيع بمفرده الوصول إلى الحقائق الدينية لأنها أعمق الحقائق جميعها وتعد أسراراً إلهية، ومن أجل ذلك فهو يحتاج في معرفتها وفهمها إلى العون الإلهي بالوحي والإلهام، ولا غرابة إذا أن تعترف هذه الفلسفة لرجال الدين بشرعية قيامهم بالتدريس والتربية.

ومن هذه الزاوية الروحية التي تدين بها الفلسفة الواقعية المدرسية نتحقق من أن التربية الدينية والخلقية لهما شأن كبير ومركز مؤكد في المناهج التربوية التي تدعو إليها، وهي تدعو إلى دراسة الأخلاق المتصلة بدراسة الدين دراسة رسمية، لأن دراستها دراسة غير رسمية أو مستقلة عن الدين لا تثمر الثمرة المرجوة منها، فالخير مودع في الأطفال بأمر إليه، والتربية الدينية تهديهم إلى معرفة الله وإلى المقدر الذي ينتظرهم في النهاية، وحينئذ فارتباط الدين والأخلاق في دراسة رسمية يحبي الخير في النفوس ويدعم الخلق ويدفع إلى التمسك به وممارسته بإخلاص.

ومما يجب إثباته هنا هو أن هذه الفلسفة تحبذ رعاية اهتمام المتعلم، وتعتمد عليه اعتماداً كبيراً في اكتساب المعارف والحقائق، لأن اهتمام يؤكد رغبته في التعرف على قيمة ما يدرسه، وهذا شيء عادي في طبيعة الإنسان، ويجب أن تنتهز فرصة كلما أمكن، ولكن السؤال الذي ينبغي أن يسأل هنا هو: إذا فقد المتعلم الاهتمام وأظهر عدم الاكتراث بتعلم الحقائق التي يتضمنها المنهج فأيهما يقدم: الاهتمام أو المنهج؟ هل تنساق وراء المتعلم فنصرف النظر عن حقائق المنهج ونتابعه في تعلم ما يميل إليه؟ أو نضرب صفحاً بجفائه لهذه الحقائق وتجبره على تعلمها؟ ويجيب الواقعي المدرسي عن هذا السؤال بوجوب التزام المنهج وإغفال الاهتمام من المتعلم، وهو بهذا الرد يساير مجاله الفلسفي ولا يتجنى على نظرياته لأن الحقائق والأساسيات العلمية التي يقوم عليها المنهج جوهرية لثبوتها وعدم تغيرها، أما الرغبة والاهتمام فهما عرضيان متغيران، ولا شك أن الجوهر الثابت مقدم على العرض، ومن أجل ذلك ينبغي أن يتعلم ولو لم يكن هناك اهتمام به، بل ينبغي أن تجند الجهود كلها في هذا الصدد حتى يحمل المتعلم على اكتساب ما ينفعه ويرقى به، ومن ناحية أخرى فإن الحق له استقلال ذاتي على الخير، وكل منهما منفصل عن الآخر في طبيعته إذ كثير ما لا يكون الحق خيراً، وعدم التطابق هذا يحتم على المدرس أن يجبر التلاميذ على تعلم ما يقوم بتدريسه لهم ما دام يعتقد صوابه وأنه يشكل بعض الأساسيات المعرفية بناء على الرأي الغالب، حقيقة إن اعتقاد الصواب بناء على الرأي الغالب لا يؤدي إلى التأكد والقطع بالشكل النهائي للحقيقة أو الخيرية، ولكن واجبه يقتضيه أن ينقل إلى تلاميذه أكثر الآراء قبولاً في وقته الحاضر، وألا يترك الشباب يصلون إلى النتائج بأنفسهم لأن ذلك يؤدي إلى ضياع كبير في الوقت وإلى مخاطرة بالفشل في إرساء سفينة الهدف في المرفأ المأمون، وإذا كان هذا التصرف يغفل رأي القلة فلأن رأيهم يوحي بازدياد احتمال الخطأ بخلاف رأي الأكثرية الذي يوحي بالقرب من الحقيقة.

وقد يشير هذا الاتجاه إلى أن الحرية لا مكان لها في الفلسفة الواقعية المدرسية، ولكن هناك نقطتين متصلتين بهذا الموضوع وتؤكدهما هذه الفلسفة ينبغي أن نشير إليهما لنعرف وجهة نظرها في معنى الحرية في التربية.

أولا: تقرر هذه الفلسفة أن الحرية ميزة اجتماعية لا تمنح للأفراد إلا بقدر ما حصلوا من حكمة وامتازوا بالعقل والخبرة نتيجة التقدم في العمر الذي يتيح لهم تقدم زيادة التحصيل في العلوم والمعارف المبنية على التقاليد والتراث الإنساني، وكلما تقدم بهم العمر الاجتماعي زادت حريتهم العلمية، فالحرية غاية التربية، وتظل مقيدة ومحدودة بما حصله الفرد من معارف وقيم اجتماعية.

ثانياً: تعترف هذ ه الفلسفة بالحرية الفردية من زاوية الرغبة الإنسانية، ذلك إن الإنسان يسهل عليه أن يميز بين الصواب والخطأ وبين الحسن والقبيح، وبناء على هذا التمييز يميل في دخيلة نفسه إلى اختيار الصواب والحسن والبعد عن الخطأ والقبيح، وفي معنى التفضيل حرية، ولا ينقض هذا المعنى أنه لا يمارس الصواب فعلاً ولا يعمل الحسن إلا بإجبار عليه.

واهتمام هذه الفلسفة بالفردية ملحوظ حيث أنها تدعو المدارس والمدرسين والمناهج المدرسية الدراسية إلى الاهتمام بالفروق الفردية بين التلاميذ على الرغم من أنها تؤكد جوهر الطفولة الذي لا يختلف من طفل إلى آخر، وتخصه بأحقية المحافظة عليه عن طريق التربية التي ينبغي أن تقدر الطفل على العمل داخل نطاق الحقيقة، ولكن يجب ألا نغفل ما ينادي به أصحاب هذه النظرية من أن رعاية الفروق الفردية والاهتمام بها لا يرقى إلى منزلة العمل في دائرة الحقيقة، لأنها عرضية وغير دائمة وليست من جوهر الطفولة في شيء بخلاف الثانية فإنها جوهرية ودائمة وذات صلة وثيقة بجوهر الطفولة، وفرق بين الجوهر والعرض.

وهذه الفلسفة تترعرع وتؤتى ثمارها في كل من النظام الديمقراطي والنظام الأرستقراطي أو الأوتوقراطي، إذ أن رعايتها للعقل وحرصها على تغذيته بالمعارف والحقائق وإفساحها المجال أمامه لينمو ويكمل ويصل إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه في أي طبقة اجتماعية يضفى عليها روح الديمقراطية.

ومن ناحية أخرى فإن اعتمادها على طائفة مخصوصة من الناس التربويين الذين يتميزون عادة بمعرفة الأفضل واستخلاص الأحسن من الآراء يعطيها القوة على العيش في المناطق التي تدين بالنظام الأوتوقراطي أو الأرستقراطي.

كما إن إيمان هذه الفلسفة يعدم تغير الحقيقة – وهي هدف المناهج التربوية – يفتح المجال أمام المدرسين والتربويين كي يضعوا المناهج الدراسية ويختطوا المناشط التربوية التي يراد من التلاميذ دراستها والقيام بأعبائها قبل أن يبدءوا في عملية التعلم، وقيل افتتاح العام الدراسي.

وتلخيصاً لما قلناه عن هذه الفلسفة نقرر:
1- أنها تقوم على الثنائية بين الطبيعة والقوة الخارقة للطبيعة وهي الإله، وعلى الثنائية بين العقل والجسم بشرط التفاعل بينهما وعدم الاعتماد على بحوث السلوكيين من علماء النفس.
2- أن الهدف التربوي الذي يتمثل في الوصول إلى الحقيقة ثابت لا يتغير ومن ثم فالمنهج الدراسي يجب أن يقوم على الأساسيات العلمية والثقافية المتصلة بالتقاليد، وأن يفرض على التلاميذ، فلا ينظر إلى اهتمامهم ورغباتهم إلا إذا اتصلت بهذا المنهج الذي ينبغي أن يدرس، أما إذا تعارض اهتمامهم ورغباتهم مع حقائق المنهج فليضرب برغباتهم عرض الحائط وليجبروا على دراسة المنهج.
3- أن وظيفة المدرس هي أن ينقل إلى المتعلمين بإصرار وجبر ما يراه صحيحاً وتعترف الأغلبية بأنه حقائق صائبة.
4- أن الاهتمام بالفروق الفردية بين التلاميذ له مكانة الملحوظ في مناهج التربية، غير أن ذلك لا يسمو سمو الاهتمام بإيصال التلميذ إلى الحقيقة.
5- أن دراسة الأخلاق والدين يجب أن تكون دراسة رسمية متصلة في صلب المناهج الدراسية حتى تؤتي خير الثمرات.
6- أن المنهج ينبغي أن يوضع قبل ابتداء الدراسة والتعليم إذ لا داعي للتأخير، فمضمونه ثابت ومعروف، والهدف الذي يرمي إليه لا يتغير.

الفلسفة الفاشية ومنهجها التربوي

“Fascisms”

إن الفلسفة الفاشية تعيش وتترعرع في كل دولة يسيطر عليها نظام الحكم الموصوف بالشراسة في طلب السيادة، وليست خاصة بالدول الفاشية الأولى،كما أنها لم تمنح بتحطيم الفاشست في الحرب العالمية الثانية، وتعتبر هذه الفلسفة وليدة الفلسفة المثالية التي تقدم الحديث عنها، ولكن على الرغم من ذلك فهي ذات أهمية خاصة واعتبار مستقل، نظراً لما تقوم عليه من أسس ومفاهيم جديرة بالتوضيح والبيان.

والمذهب الفاشستي في التربية لا يعدو أن يكون مذهباً سياسياً قام للتنديد بنقاط الضعف التي يراها أصحاب هذا المذاهب في فلسفة التربية الديمقراطية، وتتلخص هذه النقاط من وجهة نظر هذه الفلسفة فيما يأتي:
أ- الديمقراطية عبارة عن تجميع وتوحيد لرغبات الأفارد الذين تتكون منهم الدولة دون غاية مفهومة.
ب- مهمة الحكومة الديمقراطية مجرد حفظ التوازن بين رغبات الأفراد واهتماماتهم بصورة عادلة.
ج- حكم الأغلبية الذي تسير عليه السياسة الديمقراطية يهب لأصحاب هذه الأغلبية التأثير الفعال ويقدرهم بذلك على الاحتفاظ بالسلطة في أيديهم ويتيح لهم فرصة الجموح في رغباتهم الذاتية.
د- المجتمع الديمقراطي تحكمه مثل غير محددة أو مستقرة لأن الأغلبية مذبذبة، فتارة تميل إلى اتجاه معين وتارة أخرى إلى اتجاه مضاد.
هـ - الفردية التي تدين بها الفلسفة الديمقراطية تحول الدولة الحرة إلى أداة لإسعاد الفرد الذي يرى سعادته في التمتع بالحرية الشخصية لا في التضحية وكبح جماح النفس.

أما الأسس التي تقوم عليها النظرية الفاشية فإنها تتلخص في أن الدولة هي الغاية، وأن الفرد هو الوسيلة لتلك الغاية، ومن ثم فليست الحرية حقاً طبيعياً للأفراد، وإنما هي امتياز ورخصة تمنحها الدولة، وليس من وظيفتها مساعدة الفرد على تحقيق ذاته، بل وظيفتها أن تحمل الفرد على التضحية في سبيل الدولة ورعاية مصالحها، ومع أن الحرية لها تقدير أدنى وخلقي لا ينكر إلا أن هذا التقدير عند المقارنة أقل من تقدير الواجب نحو الدولة إذ هي أكبر وأقوى من كل فرد فيها ومن جملة أفرادها كذلك، فهي الصلة بين الأجيال المتعاقبة، وغاياتها دائماً أسمى من غاياتهم لبعدها عن الذاتية، ولما تتميز به من الحصافة وبعد النظر، ولذلك لا تعتمد سلطة الدولة في النظام الفاشي على أغلبية الأفراد بل على صفوة من القادة المختارين من الطبقة العليا والقادرين على التضحية بمصالحهم الخاصة ومنافعهم الشخصية في سبيل المثل العليا للدولة، على أن مثل الدولة العليا تنبع من هذه الفئة الفائدة، وتعد صحيحة وسليمة إذا ما استطاعت أن تفرضها على الناس وتجبرهم على قبولها.

وذوبان مصلحة الفرد داخل الإطار العام لمصلحة الدولة هو الأساس الأول في التربية الفاشية، وعلى المدرسة والمدرسين والمناهج الدراسية أن تدرب التلاميذ على أن يتحدوا مع الدولة في الرغبات بمعنى أن يشعروا بأن تحقيق رغبة الدولة هو في الوقت نفسه تحقيق لرغبتهم،وهذا هو بعد النظر والعزوف عن الأثرة والأنانية مما يحقق لهم حرية الاختيار الصحيح، لأنه في الوقت الذي يشبع فيه الفرد رغبته ويرضى نفسه يحقق للدولة رغبتها، كما أن عليها كذلك أن تهيئ الجو الصالح لاندماج التلاميذ الروحي في الحياة خارج المدرسة لأنها إن فشلت في ذلك فلن تقوم قائمة لاحترام السلطة وضبط النفس اللذين هما روح الفلسفة الفاشية.

والفلسفة الفاشية تعطى للقادة أولوية في التربية على غيرهم من الناس لأنهم ذوو مواهب غير عادية، وليست التربية التي يتلقونها هي التي تصنعهم قادة يتجاوبون مع الشعب، بل على العكس من ذلك تزيد من بعدهم الاجتماعي عن العامة، وهذه الحقيقة في نظر أصحاب هذه الفلسفة لا تنافي القول بإعطاء كل فرد أحسن قسط وأوفاه من التربية، لأنه قد اعترف للقادة من البداية بالارتفاع والسمو وعدم التساوي مع بقية أفراد الشعب، فمن الطبيعي حينئذ ألا تتساوى كيفيات التربية وفرصها ومناهجها بالنسبة لهؤلاء، بل على العكس من ذلك تماماً ينبغي أن تختلف في كيفياتها وفرصها ومناهجها لتوافق طبائع كل من الفريقين، وحيث أن القادة قد افترضت فيهم المواهب الخاصة فلا غرابة أن ينفردوا بالأولوية في التربية، وإذا كانت التربية الديمقراطية الحرة ومناهجها تربي كل فرد وتعلمه إلى أقصى ما تسمح به قدراته واستعداداته لا فرق بين قائد وسوقه، فإنها بذلك في عرف الفاشست تفسده، إذ تدفعه بشدة إلى التعرف على مميزاته المادية الخاصة ولا تربي فيه إيثار مصالح الدولة وتكريس حياته بإخلاص لخدمة مثلها العليا.
avatar
esambotani

عدد المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 01/04/2011
الموقع : eshraf.alafdal.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://eshraf.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى