أهمية المناهج التربوية للدولة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أهمية المناهج التربوية للدولة

مُساهمة  esambotani في الثلاثاء أغسطس 02, 2011 6:49 am

أهمية المناهج التربوية للدولة

إن المناهج التربوية ضرورة من ضرورات الحياة تحافظ بها الإنسانية على أن تبقى وتتطور. ومن ثم فهي محكومة بالفلسفات الإجتماعية وظاهرة الحياة العديدة للجماعة التي تعيش فيها، وبالتراث الثقافي الذي خلفته الأجيال في أمة من الأمم، وبالنظم الإقتصادية التي تسودها. ومهما تعددت الأساليب التربوية والمناهج التعليمية فهي تنزع جميعها إلى غرس المواطنة الصالحة في المواطنين من وجهة النظر الخاصة بالوطن كي يقوموا خير قيام بالخدمات الإجتماعية والوظائف الحيوية في مجتمعهم. ولذلك فهمتها الثقيلة في هذا المجال أن تنمي الفرد في إطار قدراته واستعداداته معرفة وتفكير وصحة عقلية وجسمية ومهارة واعتزاز بقيم المجتمع ومثله، وتوجه هذا النمو في الوقت نفسه لصالح الجماعة في نواحيها السياسية والإجتماعية.

والذي لا شك فيه أن آثار المناهج التربوية الحكيمة تظهر في وعي الشعب السياسي حين يتحرر في اختيار ممثلة ويحاسبهم على ما قدموا من أعمال الخير الفرد والمجموع، وحين يتفهم السياسات الدولية وتصارعها في سبيل المصالح الشخصية وموقف دولته في هذا الصراع مما يحتاج منه إلى تعضيد. ومناهج التعليم تخدم المصالح الاقتصادية للدولة بما تعمل على التقدم العلمي في مجال الزراعة والصناعة والتجارة مما يرجع إلى الدولة والأفراد تقدما في اقتصادياتها وارتفاعا في مستوى الدخل القومي. فمثلا يقوم العلم بدور كبير في القضاء على الآفات التي تنقص المحاصيل الزراعية، وفي زيادة غلة الفدان، وفي تسويق غلات الأرض ومنتجاتها على أسس قويمة، وفي تصنيع المنتجات الزراعية، وفي إقامة المشروعات التي تزيد في رقعة الأرض الزراعية وفي قوة إخصابها، وذلك كله يعود على الدخل القومي وعلى دخل الفرد بالنماء العظيم. وفي الناحية الاجتماعية أيضا يؤدي العلم دوره في إشراع القوانين التي تنظم علاقات الناس بعضهم البعض والتي تكشف عن الأخطاء وتحاول إصلاحها ... وهكذا.

ولقد أبان التعطش إلى التقدم والسبق في كل أنحاء العالم وفي كل العصور، ولاسيما في الوقت الحاضر، مدى التطلع إلى المناهج التربوية عاملا من أقوى العوامل على تحقيق آمال الشعوب وقيادة سفينتها إلى أخصب الشطئان وأعظمها ازدهارا بالعمران والارتفاع النهضي. فكل أساليب التربي ومناهجها التي يطبقها الأباء والأمهات في البيوت والمدرسون في المدرسة والحكومات في المجتمع والتي تنصب على الأفراد، تعمل جاهدة كي تخلق منهم أعضاء صالحين قادرين على الإسهام في الرقي الاجتماعي بما لديهم من طاقات خلاقة تقوى مع التوجيه والتعليم على تطوير التراث الشعبي وتكييفه للظروف العالمية التي تكتنفه. ولولا ذلك ما كرست جهود الفلاسفة والعلماء التربويين والاجتماعيين والسيكلوجيين لتهذيب الفكر التربوي وتطويره وصوغه في المناهج المناسبة، وما تحملت الدولة في سبيل أخذ أفرادها ملاحظة باهظ النفقات حين تلزم نفسها بمجانية التعليم في بعض المراحل التربوية أو كلها، وحين تسن القوانين الصارمة لجعله إلزامياً في بعض المراحل التعليمية، وإن اختلفت في مداها باختلاف الأمم وظروفها الاقتصادية وغيرها.

ولقد أنشئت المدارس ودور التربية والتعليم وعضد المواطنون استمرار وجودها وأكدوا ضرورتها لتسد بمناهجها التربوية حاجات المجتمع وتعمل على إسعاده ونهضته، ومن ثم ولكي تكون هذه المدارس وتلك الدور ذات قيمة فيما قامت من أجله فإنها دائماً تأخذ فلسفتها وأهدافها من فلسفة المجتمع وأهدافه. فهي إذا ملزمة- بمن يقوم على شئونها ويوجه سياستها- أن تدرس خصائص المجتمع الذي تخدمه، وتتبين صفاته المميزة لتكوينه ونظمه الاجتماعية والدينية والاقتصادية والترفيهية، وتتعرف فيه على الحاجات التربوية للشباب والصغار والكبار على السواء، ثم تبني مناهجها على أساس من هذه الدراسة ليكون تعاملها مع الأفراد مثمراً، وتكون خططها في تهذيبهم وتثقيفهم موسومة بسمة القبول منهم والنفع لمجتمعهم. ثم هي ملزمة أيضاً أن تتفاعل مع البيئة التي توجد فيها وتنتفع بما يكتنفها من إمكانات مادية وبشرية في تحسين برامجها والوصول إلى أهدافها بالنجاح الكامل. وجملة القول أن عليها أن تكيف نفسها للخدمة اللائقة في المجتمع وأن تعنى بإعداد نفسها أحسن الإعداد لتحمل مسئولية تطويره وإنهاض مرافقة.

ولقد عرف أن المدرسين هم صناع الأمة الحقيقيون، يصوغون مستقبلها بقدر ما يبذلون من جهد وإخلاص في العمل التربوي المنوط بهم وفي تعليم أبنائها طبقاً للمناهج التعليمية التي يقومون على تدريسها. وهم من أجل ذلك يعكسون بالمدارس التي يعملون فيها الصورة الدقيقة لمدى النهضة الشائعة فيها ونوع الثقافة التي تجمع بين أبنائها وتسود تصرفاتهم أفعالاً وأقوالاً. وفي هذا المعنى يقول رسل كوبر ((Rassel Cooper)) ((إذا أردت أن تعرف ثقافة مجتمع من المجتمعات فانظر إلى المدارس فيه)) ومعنى هذا بالصورة الواضحة أن المدرسة تعكس القيمة الاجتماعية وحقيقة التقدم الذي يحرزه قطر من الأقطار أو يحاول أن يرقى إليه وبعبارة أخرى فإن الصور التربوية التي تعكسها المناهج والتي تتعدها المدرسة بالنشر والذيوع تحمل في طياتها قوة التعبير عن الحياة برمتها- ضعفها وقوتها –في البلد الذي تعيش فيه. وإذا أردنا أن نفهم عبارة ((كوبر)) بدلالتها غير المباشرة فهي لا شك تضع على المدرسة مسئولية كبرى في إنهاض المجتمع، وتحمل مناهج التربية والتعليم فيها ثقيل الأحمال بما يجب أن تخلفه في الأفراد والجماعات من دفع نحو الصالح العام ومحاولة للارتفاع بالمستوى البشري للدولة في العلم والثقافة والاقتصاد والسياسة والأخلاق والقوة المادية والمعنوية وكثير غير هذا مما يبني في نهاية المطاف كياناً محترماً للدولة بين الدول والأفراد بين أمثالهم من الأجانب.
وليس ببدع أنه تحتل مناهج التربية هذه المكانة وأن تكون لها تلك الأهمية في بناء الكيان الدولي والفردي، فقد ثبتت هذه الحقيقة عبر التاريخ، وأيدتها الحوادث العديدة والظروف المستمدة من صور الحياة التي كانت وما تزال تحياها المجتمعات بنظمها المختلفة. فقد اتخذت منها الدول على اختلاف سياساتها ونظم الحكم فيها طريقاً إلى تحقيق أهدافها والتغلب على مشاكلها والانتصار لمبادئها.

فهذه ((إسبرطة)) في أعماق الماضي البعيد تقسو عليها الظروف ويتربص بها أعداؤها في الداخل والخارج، فتهب لحماية نفسها وتحرص على استمرار وجودها. وقد عرفت في التربية ملجأ أميناً ومأوى كريماً فهرعت إليها تصوغ مناهجها بما يحقق لها أحلامها ويستهدف أهدافها، فكانت الاختبارات الجسمية القاسية للأطفال حين يولدون حتى تضمن الدولة كفاءة قوتهم وبنيتهم لما يلقى على عاتقهم بعد من مسئولية الحفاظ عليها والدفاع عنها. وكانت المدارس التي يلتحق بها هؤلاء الأطفال بعد هذا الاختبار القاسي أشبه ما تكون بالمعسكرات: أوامر ونواه وإجبار على تلقي المعلومات والدروس وتقبلها في ديكتاتورية صارمة، على ما في هذه المعلومات وتلك الدروس من مجافاة للفنون والآداب، كأن التلاميذ في ميدان قتال لا تناقش فيه الأوامر ولا يكلفون إلا الطاعة العمياء. ولقد حققت ((إسبرطة)) بهذا المنهج التربوي أهدافها الاجتماعية، وحافظت على كيانها، وإن أهملت الفرد كل الإهمال وذابت شخصيته في شخصية الدولة.

أما ((أثينا))- وقد شاركت ((إسبرطة)) وجودها القديم- فقد كانت على العكس آمنة مطمئنة. وبهذا عزفت عن الديكتاتورية العسكرية، وآمنت مع المجتمع بالفرد تحاول أن تربى شخصيته وتغذى بعض جوانبه واتجاهاته. وقد عمدت في تحقيق ما تصبو إليه إلى التربية تستعين بها، ولكن بمنهج يناقض منهج ((إسبرطة)): فعنيت بالعلوم والفنون والآداب التي يحتاج إليها الفرد في استكمال ذاتيته وتغذية روحه.

وأفلاطون حين أراد أن ينظم دولة لها كيان ممتاز في نظره، أقام نظامها وبناه على أساس من منهج تربوي فصله في جمهوريته، ففتح للحكام باب التعليم حتى نهايته واختط لهم منهجاً دراسياً راقياً قوامه علوم الفلسفة والمنطق وغيرهما مما لا يستطيع غيرهم السير فيه. أما ما دون الحكام عنده فهم طبقة المحاربين المتسمين بالإرادة القوية. وهؤلاء لا يسمح لهم إلا بالتعليم في حدود إمكاناتهم العقلية، ولا يسمون أبداً إلى مرحلة العليا من دراسة الحكام وإنما يقفون دونهم ويدرسون مناهج خاصة فصلها هو لهم. ثم تأتى من وراء ذلك طبقة العمال الذين يتعلمون مع غيرهم من الطبقات الأخرى طبقاً لمنهج تعليمي معين حتى سن العشرين حيث يجب أن ينقطعوا عن الدراسة لضعف مقدراتهم العقلية ويلتحقوا بالحياة العملية زراعاً وصناعاً وأصحاب حرف مختلفة.

ولما دالت الدول وتعاقبت الحكومات عرف التاريخ أن الحكم النازي حين استولى على ألمانيا سنة 1933م كانت له مطامع خاصة يريد أن يحققها، وهي أن يخلق المواطن المؤمن بالنازية إيماناً أعمى، تلك النازية التي كانت تقوم على العصبية للجنس والتفريق العنصري الذي يغرى بالعدوان على الشعوب الآمنة، ويعزل الشباب النازي عن العالم حولهم فلا يشعرون معه بوحدة إنسانية. وقد كانت مناهج التربية بمدراسها المختلفة هي الفأس التي أعملت في السياسة القديمة بما فيها من مثل واتجاهات فحطمتها، وكانت هي نفس الفأس التي استخدمت في افتتاح قناة الحياة للسياسة الجديدة التي طمح إليها النازيون. ولذلك عمد حكامهم من البداية إلى السيطرة الكاملة على مراكز الثقافة، وانتزعوا السلطة التربوية من يد الكنيسة وركزوها في أيديهم وحدهم ليسهل عليهم توجيهها التوجيه الذي يضمن لهم أداء الغرض النازي أداء ممتازاً. وقد كان لهم ما أرادوا فطبعوا الشباب قسراً عن طريق المناهج المدرسية التي وضعوها والنشاط التربوي والثقافي الذي اختطوه خارج المدارس في النوادي والمجتمعات المختلفة: طبعوهم على الولاء للحزب النازي والتفاني في خدمة مبادئه وأغراضه، فنزعوا مقومات الإنسانية من نفوس الألمان وزينوا لهم السلوك الشائن وطوعوهم للعمل كقطعان من الوحوش المسعورة تنطاق للافتراس أينما توجه. وكانت لألمانيا بذلك صولة خشيتها كل الدول وقوة أرهبت الناس وإن لم تستمر طويلاً.

وحين قسمت ألمانيا سنة 1945م لم تنس هيئة الأمم ما للمناهج التربوية من تأثير قوى على الأفراد والجماعات، وما لها من أهمية كبرى في بناء صرح الدول وتغيير جوهر الأمور الاجتماعية فيها. بل وعرفت أن أقوى معول لهدم النازية هو المنهج التربوي. وحينئذ سارعت دول الاحتلال الأربعة: روسيا وأمريكا وفرنسا وإنجلترا إلى وضع اتفاقية العمل التربوي داخل ألمانيا سنة 1947م التي قضت باتفاق الجميع على عشر نقاط لإصلاح المدرسة ومناهج التربية والتعليم حتى يمكن تحقيق الأهداف الاجتماعية التي كانوا يريدون إعادة صياغة الكيان الألماني على أساسها، والتي كانت في جملتها تضاد ما بناه النازيون طوال مدة حكمهم مؤسساً على المبادئ التربوية التي انتهجوها.

والدول الاستعمارية لم تغفل عن التربية سلاحاً ماضياً في إخضاع الشعوب المستعمرة وضمان ولاء شبابها، ولكنها كانت تسن سنة خاصة في تعليم هذه الشعوب فنضع لمدارسها المناهج التي تباعد بين المواطنين وتاريخهم القومي وتؤكد في الوقت نفسه أمجاد المستعمر وبطولاته ومآثره على بلاده وعلى الإنسانية جمعاء. ومن ناحية أخرى تقصر التعليم على الخاصة، تلقنهم النظريات المجردة البعيدة عن الهدف الاجتماعي لتعزلهم عن بقية أفراد الشعب وتربي فيهم مواطنين سلبيين لا قدرة لهم إلا على الأنانية والوصولية. وقصة التعليم في البلاد العربية والإفريقية أيام الاحتلال خير شاهد على ذلك.

وإذا انتقلنا إلى البلاد الحديثة ذات النصيب المتقدم والمتطور في التربية نجد أن نظرتها إلى المناهج التربوية ما زالت نظرة الأمل في أن تبني لها صرحاً دولياً متميزاً، وتضعها في الموضع الذي تعتز هي به وتسعى جاهدة أن ترقى إليه، فهذه أمريكا تحاول أن تصنع عن طريق المناهج التربوية معجزة في شعبها، ذلك أن شعبها في حقيقة أمره طوائف وشيع تنتصر كل طائفة وشيعة لثقافة البلد الذي نزحت منه، وتعتز بعنصرها مستعلية على العناصر الأخرى، فكل من العنصر الألماني والإنجليزي والإسباني وغير ذلك من العناصر التي يتكون منها شعب الولايات المتحدة يميل إلى أن يتكور في إطار وحده، ويحيط نفسه بهالة من الرفعة الجنسية والثقافية المتميزة عما للعناصر الأخرى، تحس ذلك في اللغات التي يتكلمونها مع الأمريكية مختلفة باختلاف مواطن هجراتهم، وتحس ذلك أيضاً في النغمة العنصرية التي تظهر في ثنايا أحاديثهم ونتف كلامهم، وإن حاولوا أن يظهروا التوافق الجمعي والانسجام الشعبي والبعد عن التعصب العنصري، ذلك الذي يشيع في الشعب الأمريكي من نوازع التشتت العاطفي وسمات البعد بين الطوائف التي هاجرت من بقاع شتى واستوطنت ذلك البلد النائي، قد دفع بالتربويين هناك أن يفكروا كيف يتغلبون على هذه المشكلة عن طريق المدارس والمناهج التربوية، وقد حاولوا وما زالوا يحاولون في ذلك محاولات عديدة، وما زال الناس هناك يحملون المدارس مسئولية هذا الإصلاح ويلومونها أشد الملامة لأنها ما زالت مقصرة في سبيل تحقيق هذه الغاية.

ومما يدل على أن المناهج التربوية في نظر الأمريكيين ذات أهمية كبرى للدولة وأنها قديرة على خدمة أغراضها خدمة صادقة، أنهم يطمعون عن طريقها في الارتقاء إلى مدارج القيادة العالمية، ولذلك تراهم يعملون على سيادة اللون التربوي الذي ينتهجونه في مختلف البلاد فيختطون الخطط التي تزيد اتصال العالم بثقافتهم ونظمهم التربوية، ويفرقون منحهم الدراسية في جميع أقطار العالم حتى في روسيا نفسها استجلابا للأعداد الضخمة من الكفاءات الممتازة في كل الميادين وإغراء لهم بالدراسة في بلادهم ليتمكنوا عن هذا الطريق – طريق الدراسة والتعليم طبقاً لمناهجهم التربوية – من صنع الحواريين الذين يعطفون على قضية الود لهم ويخدمون مبادئهم ويحترمون سيادتهم، وفوق ذلك فقد دأبوا على تدريب من شبابهم ليعيشوا وسط الجماعات البدائية أو النامية معلمين ومثقفين، وبهذه يثبتون كيانهم السيادي بينهم، ويؤثرون بثقافتهم وتربيتهم في عقول الناس فينحازون إليهم ويدينون لهم بالقيادة العليا العالمية، وفي هذا السبيل فتحوا الجامعات الأمريكية والمعاهد العلمية المختلفة لتلقي البعثات من كل مكان، كل هذا يدل دلالة واضحة على إيمانهم بمكانة التربية ومناهجها في جمع الناس حولهم والنفوذ من خلالها إلى ما يطمحون إليه من أغراض، وأقولها صريحة: لولا أن ساستهم يشتطون ويحكمون جانب التكتل ويتهورون في الحكم والتصرف إزاء من لم يرتم سريعاً في أحضانهم أو أظهر شخصية الحياد بينهم وبين غيرهم، أقول لولا سرعة انحراف تصرفاتهم السياسية عن المعقول واتخاذهم جانب الحرب ضد من يخالفهم الرأي اعتماداً منهم على شعارهم المعروف "من ليس معنا فهو ضدنا"، لولا هذه السياسة لأدت المناهج التربوية في مضمار الهدف الذي يسعون إليه إلى خير النتائج.

وروسيا – حين وقفت أمام الكتلة الغربية موقف المنافس، تريد أن تبني لها قوة وجبروتا يحسب لهما حساب – اتجهت إلى العلم وهو بعض مناهج التربية بمفهومها الواسع، فاتخذته مطبة لتحقيق أهدافها، وقد وصلت فعلاً عن طريق التركيز العلمي في مدارسها وجامعاتها إلى بناء كيانها الدولي بناء يتميز بالسبق والوقة، وحملت الناس على الاعتراف لها بالجسامة والخطورة، وعلى الخشية منها ومحاولة الالتقاء معها عل صعيد التوافق والتوازن، وقد اعترف ريكوفر “Rickover” – وهو أدميرال أمريكي – في التقرير الذي أعده وكتبه عن التعليم في روسيا بعد زيارة خاصة بقصد التعرف على نظمها التربوية في المدارس والجامعات، اعترف أنها سبقت وتفوقت في بعض مجالات التنافس الدولي لأن مناهجها التربوية وأساليب التعليم فيها من القوة والتركيز على العلوم “Sciences” بحيث أدت إلى ذلك، وذكره "رتش" أن البناء القوي للمجتمع الشيوعي الروسي قد قام على الأساس التربوي.
وكل بلد ينمو أو يريد أن ينمو في المحيط الدولي لا يغفل ما للعلم والمناهج التربوية من فضل أي فضل في خلق المجتمعات الناهضة والارتقاء بها سريعاً إلى مصاف العظماء ومستوى الكمال، فجمهورية مصر العربية مثلاً حيث ثارت على الظلم والطغيان، وأرادت أن تأخذ بنصيبها في الحياة الكريمة، لم تجعل ثورتها عاطفية، بل أقامتها على قاعدة مناهج العلم والتربية السليمة للشعب إيماناً منها بأن "العمل الثوري لا بد أن يكون عملاً علمياً" وأنه "إذا تخلت الثورة عن العلم فمعنى ذلك أنها انفجار عصبي تنفس به الأمة عن كبتها الطويل ولكنها لا تغير من واقعها شيئاً"، "فالعلم وحده هو السلاح الذي يحقق النصر الثوري، والعلم وحده هو الذي يجعل التجربة والخطأ في العمل الوطني تقدماً مأمون العواقب، وبدون العلم فإن التجربة والخطأ تصبحان نزعات اعتباطية قد تصيب مرة ولكنها تخطئ عشرات المرات" وهكذا يقرر الميثاق – وهو دليل العمل الوطني – أن العلم في جمهورية مصر العربية هو منبع الدفع الثوري لتحقيق أهداف الأمة والأفراد فيها وأن السلطات الشعبية "بالعلم وحده تقدر على العمل تحقيقاً لمطالب الجماهير"، وأن قدرتنا "على التمكن من فروع العلم المختلفة هي الطريق الوحيد أمامنا لتعويض التخلف، بل إن النضال الوطني إذا ما اعتمد على العلم المتقدم يستطيع أن يمنح نفسه فرصة أعظم للأنطلاق"، وأن الأمم التي أرغمت على التخلف إذا ما استطاعت أن تبدأ معتمدة على العلم المتقدم تضمن لنفسها نقطة بداية تفوق النقطة التي بدأ منها الذين سبقوها إلى المستقبل، ومن ثم تمنح نفسها قوة اندفاع أشد في اللحاق بهم والسبق عليهم".

واعترافاً بأن مناهج التعليم والتربية سناد قوي في تشكيل الحياة لأي أمة وإعادة بنائها بما يضمن لها حياة الكرماء الأعزاء، دعا الميثاق الوطني إلى إعادة النظر في سياسة التربية والتعليم عندنا، وتغيير المناهج بما يساعد "الإنسان الفرد.. على إعادة تشكيل الحياة" حرة كريمة تليق بثورة مصر العظيمة، وهكذا اختطت جمهورية مصر العربية سياستها الثورية طبقاً لمنهج تربوي تعليمي جعلته في مقدمة النشاط القوي وأولته عناية كبرى، حيث هي بسبيل إقامة المجتمع العربي على دعائم من الديمقراطية والاشتراكية والتعاون، وليس يعني بغرس القيم التي تتضمنها هذه المبادئ أكثر من التربية إذا خدمت مناهجها كماً وكيفاً.

وإذا كانت المبادئ التربوية والعلمية التي تحدث عنها الميثاق لم تأخد سبيلها إلى النور الكامل في حياتنا العامة، فإنا نأمل في القريب العاجل أن يولي المسئولون عنايتهم واهتمامهم بما جاء في الميثاق من هذه المبادئ القويمة فيعملوا على تطبيقها التطبيق الصحيح والكامل في كل مناحي الحياة في جمهوريتنا العربية "في الوطن العربي كله حتى يتحقق لنا وللعرب جميعاً عن طريق المناهج التربوية والتعليمية ما ننشده من مكانة مرموقة تحت الشمس".

ومما تقدم نرى أن المناهج التربوية تقف من الدولة العماد الأول المكين الذي تعتمد عله في نهضتها إذا أرادت أن تنهض، وفي قوة شخصيتها إذا عن لها أن تقيم لنفسها شخصية تحترم، ولا ينقص من قيمة هذه القضية وصدقها ما يسود الدولة من الاتجاه السياسي أو نظام الحكم فيها.

[size=24]المشرف التربوي /عصام عصمت يونس [/ Basketball Basketball Basketball size]

avatar
esambotani

عدد المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 01/04/2011
الموقع : eshraf.alafdal.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://eshraf.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى