معنى المنهج وتطور مفهومه وتنظيماته

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

معنى المنهج وتطور مفهومه وتنظيماته

مُساهمة  esambotani في الثلاثاء أغسطس 02, 2011 7:05 am


معنى المنهج وتطور مفهومه وتنظيماته
معنى المنهج وتطور مفهومه

يعني المنهج “Curriculum” بأصل وضعه الإغريقي الطريقة التي يتخذها الفرد أو النهج “Course” الذي يجريه ليسرع به إلى تحقيق هدف معين، فالمريض مثلاً حين يستهدف الشفاء من مرضه يشرب الدواء بنظام معين، ويمتنع عن أكل بعض المطعومات، ويخضع للحقن بدواء يصفه الطبيب، وكل هذا معناه منهج هذا لمريض في الوصول إلى الشفاء، والتلميذ الذي يطمح إلى الخروج في بعثة إلى الخارج يستذكر بجد، ويتفهم دروسه بعمق، ويؤدي ما عليه من واجبات الدراسة، محاولاً أن يتفوق على أقرانه ليظفر بغرضه، وهذا العمل الذي يقوم به يسمى منهجاً، ومنهج المسافر في الوصول إلى أوروبا هو ركوبه البحر أو الطائرة وهكذا.

وقد نقل معنى المنهج إلى محيط التربية ليصف لنا الشوط الذي يقطعه كل من المدرس والتلميذ كي يصلا إلى الهدف التربوي، ومن أجل ذلك كانت الأهداف التربوية مكيفة لمعنى النهج، وطبيعة الهدف التربوي – كما سنذكر فيما بعد – يدور حولها جدل فلسفي يميل بالهدف مرة إلى الاتجاه التقليدي ومرة أخرى إلى الاتجاه التقدمي، وأهم الصفات التي تسمه بالتقليدية تتلخص فيما يلي:
أ- الثبوت وعدم التغير أو التطور منذ الأزل.
ب – البعد عن الخبرة والخروج عنها،
ج- مغايرته للوسائل التي تحققه.
د- الاتجاه إلى أعداد الطفل لحياة الرجولة المستقبلة.

وبهذه الصفات التي ميزت الهدف من وجهة النظر التقليدية نرى أن المنهج يتخذ مساراً مضاداً لطبيعة الطفل، فيؤكد المنفعة الذاتية للعلوم والفنون، ويجبر الطفل على أن يتعلمها ويكيف نفسه لتحصيل حقائقها مهما بلغت صعوبتها، لأنها تستحق أن تعرف وتتعلم لذاتها، ولأنها سبيله الوحيد إلى إدراك الهدف التربوي سواء أكان الوصول إلى الحقيقة المطلقة أو تحقيق الذات والسمو بالنفس أو تغذية العقل أو غير ذلك مما يقرره التربويون أصحاب المذهب التقليدي، ومن هنا فإن المناهج توضع أولا وتختار محتوياتها المعرفية التي ينبغي على كل تلميذ أن يعيها ويحفظها، ثم تتخذ معه كل الوسائل ولو كانت الشدة والعنف كي يلزم نفسه بها إلزامياً.

وطبقاً لهذه النظرية التقليدية وضع الإغريق المنهج ممثلاً في الفنون السبعة “The Seven Liberal Arts” التي قسمت قسمين: القسم الأول يضم النحو والبلاغة والمنطق ويعرف باسم “Trivium” والقسم الثاني يشتمل على الحساب والهندسة والفلك والموسيقا ويعرف باسم Quadrivium، وبتتابع العصور وتأثير الظروف المختلفة أضيف إلى هذه السبع مواد أخرى كالجغرافيا والتاريخ والعلوم البحتة والرسم والأشغال وغير ذلك، ولكن الاعتبار التقليدي لازمها في كثير من الأحيان من حيث إنها ذات قيمة في ذاتها تستحق من أجلها أن تعلم وتتعلم بغض النظر عن الطفل وإمكاناته وظروفه التي تناسبها أولا تناسبها.

فالمعنى التقليدي إذ1 للمنهج يتمثل في المواد الدراسية التي يطلب من التلميذ في المدرسة معرفة حقائقها وتحصيل ما تشتمل عليه من مفاهيم ومدركات بأي طريقة من الطرق دون اعتبار للمتعلم واستعداداته الفطرية والمؤثرات التي يخضع لها أو على الأقل دون وضع ذلك في المقام الأول.

وقد تعرض هذا المعنى التقليدي لمفهوم المنهج للنقد الشديد من أولئك الذين يدينون بوجهة النظر التقدمية ويؤمنون بأن الهدف التربوي المكيف للمنهج تحكمه صفات مضادة لتلك الصفات التي آمن بها التقليديون، فهو في نظرهم:
أ- متغير بتغير الظروف والأشخاص والبيئات والأزمان.
ب- نابع من الخبرة التربوية وليس مفروضاً عليها من الخارج.
ج- لا يختلف عن الوسيلة إلا في أنها هدف سابق.
د- لا يهتم بالمستقبل إلا في ظل حاضر المتعلم.

بهذا الاتجاه في فهم الهدف التربوي يساير المنهج طبيعة الطفل ويوجب اختيار مناشطة ومكوناته التربوية على أساس من فائدتها المادية للمتعلم، فليس للمنهج استقلال في حد ذاته بل يتكيف بالكيفية التي يخدم بها المتعلم ويحقق أغراضه لأنه نشأ من أجله، وإذا فالماضي مهما كان عريقاً ليست له أهمية إلا بقدر خدمته للحاضر وتفسيره لحوادثه، لأنه إذا درس بدون هذا الاعتبار وعلى أساس أنه حقيقة ذات قيمة قد يتعارض تعارضاً خطيراً مع الحاضر ويؤثر تأثيراً سيئاً على الحياة التي يحياها المتعلم إلى حد الهدم لهذه الحياة، وفي أحسن الأوضاع فإنه قد يقلب المدرسة والعمليات التعليمية بها إلى صور لا معنى لها.

ومن ثم لا يمكن مثلاً أن نعلم الطفل الآن أن "مصر بلد زراعية" على أنها حقيقة لا معدى عنها كما كان المستعمر يلقى ذلك في روع الناس ويجبر المتعلمين على تعلمه زماناً طويلاً، أو أن نقول الآن إن الذرة لا تنقسم كما ينطق بذلك تاريخ البحث في الذرة يوماً من الأيام الماضية، أو أن نمجد طريقة الحرب بالسيف في وقتنا الحاضر لأنه كان أسلوباً ناجحاً وأدى إلى انتصار المسلمين في عهودهم الماضية، أو نحو ذلك، لأن هذا كله يأتي بالنقض والبوار على ما ينبغي للتلميذ أن يتعلمه بعد أن أخذت جمهورية مصر العربية سبيلها الجدي إلى التصنيع، وأثبت العلم إمكان تفتيت الذرة وانقسامها، ووصلت تكنولوجيا الحرب إلى ما نعرفه الآن وهو بعيد كل البعد عما انتصر به المسلمون وغيرهم قديماً.

وإذا لم تتلاءم المناشط التربوية والخبرات التعلمية ومتضمنات المنهج بعامة مع استعدادات المتعلم وقدراته الخاصة وخبراته الحالية فإن العملية التربوية تفشل لا محالة في أداء وظيفتها الفردية والاجتماعية، إذ المعروف أن الإنسان لا يحسن انتفاعه بما يخرج عن طاقته ويجافي استعداده ويكره أن يعمله أو يفكر فيه وحيث أن الأفراد المتعلمين يختلفون اختلافاً بيناً في محتويات أنفسهم وما يحيط بهم من ظروف فإن أساليب تعليمهم وأنواع النشاط التربوي التي تصلح لهم تختلف كذلك.

والمنهج الدراسي الذي يتعلمه التلميذ مثلاً في المواد الدراسية التي تنفصل حقائقها ولا ينظر إلى أهميتها في تكوين الشخصية وتحريك الطاقات الخلافة في الشخص يبقى مختزناً في الذاكرة بعيدا عن الاستعمال والظهور إلا حين يطلب بالسؤال تسميعه في الامتحان، وذلك ما ينبغي أن تبتعد عنه المناهج التربوية لأنه بعيد عن الديناميكية قريب من السكون والموات.

ولقد بدأ "روسو" الدعوة التقدمية في القرن الثامن عشر بتوجيه الأنظار إلى وجوب استهداف الطفل بالعملية التربوية ورعاية ميوله ورغباته واستعدادته المختلفة عند اختطاط نهج تربوي له، وضرب لذلك مثلاً بطفله إميل “Emile” الذي تركه للطبيعة يتعلم منها ويعبر عن نسه ويشبع حاجاته دون أن يتدخل في شئونه مدرس أو موجه حتى سن الثانية عشرة تقريباً، وقد غالى بهذا مغالاة شديدة في التركيز على فردية المتعلم كما سبق أن شرحنا وجهة نظره في الفصل السادس من الباب الثاني من هذا الكتاب عندما تحدثنا عن الفلسفة الطبيعية الرومانتيكية في التربية.

ولقد تتابعت الآراء والنظريات متأثرة بروسو أو مسايرة لاتجاهه في الاهتمام بالطفل عند وضع المناهج التربوية، فنادى بستالوزي “Pestalozzi” ، (1764 – 1827) بوضع الطفل موضع الاعتبار عند تعليمه، واتخذ من أفكار "روسو" دعائم للعمل في المدرسة وإن لم يبعد كثيراً عن مستلزمات المنهج التقليدي، واشتق فرويل “Froble” في القرن التاسع عشر منهجه من طبيعة الطفل وإن ظل محتفظاً بالعناية والاهتمام بالتراث الثقافي الذي خلفته الأجيال البشرية السالفة، ونادى وليم جيمس “William James” وثورنديك “Thorndike” بأن يسمح المنهج للطفل بالتعبير عن حاجاته، وهكذا اتجهت آراء التربويين إلى تحقيق فكرة تكييف المناهج للمتعلمين بدلاً من الفكرة التقليدية التي ترمي إلى تكييف المتعلم للمنهج، وقد أثبتت الدراسات العديدة أن هذا الاتجاه يخدم المناهج التربوية خدمة صادقة، ويساعد مساعدة فعالة في تحقيق أهدافها التي تخدم المتعلم وتقدره على بناء كيانه وإشباع حاجاته في مجتمع متطور وحياة متغيرة.

وفي هذا الإطار ظهرت الاتجاهات إلى العمل على وحدة المنهج وتكامله وعدم تفتيت المعارف التي يتضمنها إلى مواد دراسية منفصلة كالجغرافيا واللغة والرياضة وغير ذلك لأن طبيعة الإنسان تقتضيه أن يحصل على الخبرات متكاملة يختلط فيها التاريخ بالجغرافيا واللغة القومية والتربية وعلم النفس والفلسفة والعلوم البحتة والرياضيات، ففي الموقف التربوي الواحد قد يتعلم الإنسان شيئاً له جذور متشعبة في كل هذه الميادين. ومن ناحية أخرى فإن هناك علاقات جوهرية تصل ما بين هذه المواد وتربط بعضها البعض، فالتاريخ الطبيعي والكيمياء مثلاً يرتبطان بمفهوم واحد هو معنى ((الكيمياء الحيوية)) والتاريخ الطبيعي وعلم النفس يندرجان تحت اسم ((علم نفس الأحياء)) وعلم النفس وعلم الاجتماع يمكن اعتبارهما وحدة واحدة تتمثل في مدلول ((علم النفس الاجتماعي)) وهكذا. وقد برزت فكرة توحيد المنهج بهذه الصورة على أشكال متعددة وأخذت أسماء مختلفة كمنهج الميدان الواسع “The Broad Field Curriculum,, والمنهج المحوري “The Core Curriculum,, على ما نفصله فيما بعد. وقد غالى البعض في تفهمه لمعنى الوحدة المنهجية فأهمل المواد الدراسية كلية وأوجب أن يدور المنهج حول مشاكل معينة أو مراكز اهتمام خاصة، وأن ينبع من رغبات المتعلمين أنفسهم.

ويمكن القول بعامة بأن التغالي في كلا الاتجاهين: التقليدي والتقدمي خطأ كبير؛ حيث إن قصر المنهج على المواد الدراسية المنفصل بعضها عن بعض والتي يراها الكبار من وجهة نظرهم صالحة لإعداد الصغار والإسراع بهم إلى مرحلة النضوج؛ يغلق باب الانتفاع بميول هؤلاء الصغار واستعداداتهم ومقدراتهم في هضم تلك المواد الدراسية وتعميق مفاهيمها وحسن استخدامها وتطبيقها في الحياة، كما أن إغفال المواد الدراسية في إعداد المناهج إغفالاً تاماً وتركيز الاهتمام على رغبات المتعلمين وميولهم يحرم المتعلمين خبرات الأجيال السابقة ويحتم عليهم في كل جيل أن يبدءوا حيث بدأت البشرية في أي مجال من المجالات التربوية؛ وذلك شوط طويل لا يمكن إدراكه في الفترة الزمنية المحدودة المخصصة لمراحل التعليم مهما طالت.

ولقد جاء ((جون ديوى)) في القرن العشرين واتجه اتجاهاً حكيماً في وضع المناهج التربوية فبناها على نشاط المتعلم دون إغفال لرغباته واستعداداته ودون إهمال للمواد الدراسية، ولكن بتكييف معين. وتلك النظرة التي اتجه إليها ((جون ديوي)) لها ما يبررها.

أولاً: إن فترة عدم النضج في الأطفال ليست فراغاً يدفع بالكبار إلى شحنه بخبراتهم هم تلك التي نظموها تنظيماً منطقياً في مواد دراسية وحقائق علمية مفككة، بل إن هذه الفترة مليئة بالعناصر الحيوية والاستعدادات الفطرية التي ينبغي انتهازها لتشكيل غموهم فيها تشكيلاً سليماً يسعدهم في حياتهم الحاضرة والمستقبلة.

ثانياً: تركيز المناهج حول رغبات المتعلمين وميولهم مع إغفال المواد الدراسية إغفالاً تاماً يحرمهم الاستفادة من المعارف والخبرات التي جاهدت البشرية أجيالاً طوالا في تقريرها وتثبيتها.

والذي ينبغي عمله هو الانتفاع بالمواد الدراسية لا من حيث ذاتها ولكن من حيث خدمتها للمتعلم وتكوين شخصيته وتغذية ميوله وتكيفه- بفكره وصحته الجسمية والنفسية ونضوجه الانفعالي- لعناصر الحياة التي يحياها.

ثالثاً: المنهج المنظم على أساس المواد الدراسية المنفصلة والمرتبة حقائقها ترتيباً منطقياً لا ينتفع به الأطفال إذا غض الطرف عن خبراتهم الحالية المحدودة، أما إذا نزل بها المدرس إلى حيث تمتزج بهذه الخبرات وتكون معها نسقاً معرفياً يتصف بالاستمرار والتكامل؛ فإنها خير ما يقدم لهم الزاد التربوي الصحي الذي يستفيد بع المتعلم استفادة تامة.

وطبقاً لهذه النظرة التقدمية للمنهج يمكننا أن نقول: إن المنهج الحديث يعني جميع الخبرات التي يكتسبها المتعلم وأنواع النشاط التي يقوم بها تحت إشراف المدرسة في داخلها وخارجها من أجل تحقيق الأهداف التربوية السليمة. على أن البعض قد تحلل من قيد ((المدرسة)) فجعل زمام المنهج بمفهومه الحديث بيد المتعلم. وحينئذ فكل ما ينتقيه المتعلم بنفسه ويقبله عن طواعية من خبرات يبنى بها ذاته ويضيفها إلى حقيقة نفسه لتكون معتمدة في خبراته اللاحقة هو ما يعد في نظر هذا البعض منهجياً.

أنواع تنظمات المناهج

ذكرنا في المناقشة السابقة أن المنهج في المفهوم التقليدي قد نظم في مواد دراسية بدأت بفنون الإغريق السبعة التي ذكرناها قبل ذلك، ثم أضيفت إليها المواد الأخرى المعروفة حديثاً بفعل الزمن واقتضاءات الحياة المتطورة. غير أن تنظيم المنهج في صورة المواد الدراسية قد اتخذ أشكالاً عديدة سنتعرض لها في الصفحات التالية.

ومن ناحية أخرى ذكرنا أيضاً أن المنهج في المفهوم الحديث قد تضمن جميع الخبرات التربوية، وعنى كل العناية بالمتعلم وما يتميز به من خصائص فطرية أو يقع تحت تأثيره من عوامل خارجية. وقد نظم المنهج بصفته الحديثة هذه تنظيماً متعدد الصور مما سنفصل بعضها أيضاً في الصفحات التالية.

ولكننا قبل التعرض لهذه التنظيمات أو تلك يجدر بنا أن ننبه إلى أن كثيراً من المؤلفين في الميدان التربوي يطلقون على هذه التنظيمات اسم المناهج معتقدين أنها تختلف عن بعضها من حيث الطبيعة المنهجية، وبمعنى آخر يرون أن المنهج المحوري مثلاً له طبيعة تختلف كل الاختلاف عن منهج الخبرة أو منهج النشاط بحيث لا يجمعها تعريف واحد للمنهج. والواقع أن هذه التنظيمات ليست إلا طرقاً منظمة للمنهج بالمعنى الذي ذكرناه ومنسقة لأنواع النشاط المتضمنة فيه، وإذاً فإطلاق اسم المناهج عليها مختلفة بما تضاف إليه ليس باعتبار الاختلاف الموجود في طبيعة المنهج وتعريفه ولكن باعتبار نوع التنظيم الذي يتعرض له المنهج. فمثلاً يحدد المنهج- كما قلنا- في الاتجاه التقليدي بالمواد الدراسية التي تقررها المدرسة على التلاميذ، ولكن هذا المنهج ينظم تارة على أساس استقلال هذه المواد الدراسية بعضها عن بعض، وتارة أخرى على أساس ارتباط بعضها ببعض، وعلى الرغم من ذلك فهذان التنظيمان لا يخرجان عن المعنى العام للمنهج التقليدي، ومثل ذلك يمكن أن يقال في المنهج بمعناه الحديث. ومن ثم آثرنا أن نتعرض لهذه التنظيمات فيما يلي باسم الطرق لا باسم المناهج.

الطرق القائمة على منهج المواد الدراسية

لقد تعددت الطرق القائمة على منهج المواد الدراسية فبدأت بالانفصال التام بين تلك المواد، وعرفت هذه الطريقة باسم ((طريقة المواد المنفصلة)) “The Subject Matter Method,, التي تعنى الميادين التعليمية المعينة، والتي ترتب حقائقها العلمية ترتيباً منطقياً بعيداً عن حياة التلاميذ في كثير من الأحيان، ويطلب منهم جميعاً أن يحفظوها ويسمعوها دون رعاية لما بينهم من فروق ذكائية أو غير ذكائية، ودون نظر إلى إمكان انتفاع التلميذ أو عدم انتفاعه بها، لأن القصد من وراء تدريسها هو تدريب العقل والاعتراف بقيمتها الذاتية. ويتخذ المدرس في تدريسه لهذه المواد كل الطرق الموصلة إلى تحفيظ التلاميذ ولو استخدم عصاه للإجبار والإلزام.

ثم كانت محاولة أولية للبعد نوعاً عن طريقة المواد المنفصلة تحت اسم ((طريقة المواد المترابطة “Correlation,,، وتقوم هذه الطريقة على تدريس موضوعات متشابهة في مادتين دراسيتين أو أكثر في وقت واحد من أجل مساعدة التلاميذ على تفهم هذه الموضوعات بصورة أفضل نظراً لتشابهها واتصال بعض حوادثها أو حقائقها ببعض، فمثلاً يدرس الشعر أو النثر الذي قيل في فترة الثورة العربية في الوقت الذي تدرس فيه الأحداث التاريخية التي جرت في هذه الفترة، ويدرس أدب العصر العباسي مع تاريخ هذا العصر. وبنفس الطريقة ربطت الموسيقا بالمواد الاجتماعية. وهكذا.

ثم تقدم التطور في ميدان منهج المواد الدراسية خطوة أخرى ليجمعها في ميادين متسعة مثل المواد الاجتماعية التي يندرج تحتها التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع وعلم النفس، ومثل الفنون اللغوية التي تتضمن القراءة والكتابة والهجاء وقواعد اللغة والإنشاء وغير ذلك، ومثل الرياضيات، والعلوم العامة ونحو ذلك. وتسمى هذه الطريقة طريقة المزج “Fusion,,، أو طريقة الميادين الواسعة “Broad Fields,, ولسنا ننكر أن هذه الطريقة تفوق طريقة المواد المنفصلة من حيث إنها تسهل بشكل ما التعاون بين المدرس والتلميذ، وتفسح الوقت لممارسة النشاط التربوي واستمراره دون مقاطعة سريعة كما هو الحال في جداول الحصص العادية، كما أنها تعمل على ربط الخبرات وتوضيح العلاقات للمتعلم بين هذه المواد الممتزجة؛ مما قد يثير في بعض الأحيان اهتمامه بما يتعلمه. وعلى الرغم من هذا كله فلن نستطيع أن ننسى أن حقائق هذه المواد تساق إلى التلميذ بصورة جافة لا ترتبط ارتباطاً مباشرا بحياته.

نقد الطرق القائمة على منهج المواد الدراسية

مهما أصاب منهج المواد الدراسية من تطوير في تنظيماته التي أشرنا إليها فإن واحدة منها لم تخرج بصورة أو بأخرى عن المنهج التقليدي الذي يمكن أن يوصف بالصفات التالية:

1- إن مركز الاهتمام فيه هو المادة الدراسية والمعرفة النظرية والتلقين، أما الجانب العملي في الدراسة والمعرفة برغم ما له من أهمية كبرى.
2- إنه لا يفرق بين متعلم وآخر، ولا يعترف باختلاف الأفراد في المقدرات العقلية والاستعدادات الفطرية والظروف البيئية وغير ذلك. ولا شك أن إغفال هذه الفروق في المناهج التربوية يعطل النمو التربوي المناسب لكل فرد.
3- موقف التلميذ فيه سلبي يقتصر على استقبال المعلومات من المدرس؛ مع أن إيجابية المتعلم في مواقف التعلم من أهم عوامل نجاحه في تحصيل الخبرات منها.
4- إنه يسلب حرية المتعلم في الأعمال التربوية وهي أساس تفاعله في مواقف التدريس، كما أن ذلك يضفي على معاملة المدرس ديكتاتورية تتمثل في فرض المنهج والكتاب المدرسي عليه وإجباره على حفظ المعلومات المتضمنة فيهما وإن لم يرغب فيها.
5- حاضر المتعلمين في كل هذه التنظيمات مهمل لحساب إعدادهم للحياة المستقبلة التي تؤخذ عناصرها من رجال الحاضر، وهم مختلفون بطبيعة الحال عما ينتظر لهؤلاء المتعلمين أن يكونوا عليه مستقبلاً.
6- إن هذا المنهج في التنظيم المنهجي يحمل المدرس دائماً على قيامه بحل مشاكل المتعلمين؛ مما يعودهم الاعتماد على غيرهم دائماً ويعجزهم عن مواجهة الجديد في المواقف والاستقلال بحل مشاكلهم المستحدثة.
7- إنه يعتمد على طرق التقويم التقليدية التي تقتصر على قياس المختزن من المعلومات، وتجري مرة واحدة محوطة بعوامل الرهبة والفزع مما يؤثر على المتعلم تأثيراً سيئاً سواء من ناحية الصحة الجسمية أو النفسية.

هذا وقامت عبر التاريخ محاولات لتحسين المنهج القائم على المواد الدراسية، والخروج به عن بعض المسات التي تحكم الاتجاه التقليدي الجاف في تنظيمه على أساسها، ومن هذه المحاولات محاولتان مشهورتان في الميدان التربوي هما:
أ- محاولة قام بها "يوحنا فردريك هربارت" الألماني بعد استفادته من المحاولات السابقة التي تمثلت بخاصة في الأعمال التي قام بها "بستالونزي" العالم التربوي السويسري.
ب – محاولة قامت بها الآنسة "هيلين باركهرست" وقد كانت مساعدة للدكتورة "منتسوري" الإيطالية، ودرست طريقتها، بل اشتركت في تطبيقها عملياً بكاليفورنيا سنة 1915م، وتعرف تلك الطريقة التي ابتدعها الآنسة "هثلين باركهرست" بطريقة "دالتون" نسبة إلى مدينة "دالتون" بمقاطعة ماساشوستز" تلك المدينة التي طبقت هذه الطريقة في إحدى مدارسها الثانوية بعد أن نفذت مبدئياً في مدرسة للعجزة في "بركشير
avatar
esambotani

عدد المساهمات : 72
تاريخ التسجيل : 01/04/2011
الموقع : eshraf.alafdal.net

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://eshraf.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى